في قول القائل عند إنشاء هاتين القاعدتين : « إذا جاوزت عن محل شيء فشكك فيه ليس بشيء سواء كان في أصل وجوده أم في صحته وسواء كان في اجزاء عمل واحد أم في أمور مستقلة . وهل ترى فرقا بين ان يضيف إلى كلامه قوله « سواء إلخ » وبين ان يضمر ذلك في نفسه من غير تصريح به في الكلام ؟ أوليس قوله « سواء إلخ » توضيحا للإطلاق المراد من كلامه السابق ، وهل هو إنشاء جديد مذكور في ذيل الكلام غير ما هو مذكور في صدره ؟ كلا وهذا أمر وجداني لا يرفع اليد عنه ببعض السفسطات الباطلة ، كيف وقد عرفت ان اللحاظ الإجمالي حين الإنشاء ، أو استعمال اللفظ ؛ كاف قطعا ولا حاجة إلى اللحاظ التفصيلي كي يقع الكلام في عدم إمكان المتعدد منه في استعمال واحد . هذا مضافا إلى أن آن استعمال اللفظ ليس آنا حقيقيا عقليا ، وليس استعمال اللفظ في المعنى من قبيل فناء العنوان في المعنون والمرآت في المرئي كما توهم « فان هذه كلها استحسانات زائفة لا قيمة لها عند أبناء المحاورة إذا رجعنا إليهم ، وكثير منها من قبيل خلط الحقائق بالاعتباريات ، والأمور العقلية بالأمور العرفية ، وتوضيح ذلك أكثر مما ذكر موكول إلى محله [1] .
[1] - كما أن استعمال اللفظ الواحد في معان متعددة ، بلا ملاحظة جامع بينها ، أمر شائع في ألسنة أبناء المحاورة من أهل الأدب والشعر ، وغيرهم ، ومن الطف ما ذكر في المقام ما أفاده العلامة الخبير والأديب الماهر الشيخ محمد رضا الأصفهاني ( قده ) في كتابه المسمى به « الوقاية » ناقلا له من بعض الأدباء في وصف نبينا الأعظم سلام اللَّه عليه : < شعر > المرتمى في الدجى والمبتلى بعمي والمشتكى ظمأ والمبتغى دينا يأتون سدته من كل ناحية ويستفيدون من نعمائه عينا < / شعر > يمدح هذا الشاعر ، النبي الأعظم صلَّى اللَّه عليه وآله وسلم بان كل ذي حاجة يأتي بابه ويستفيد من نعمائه : فمنهم من وقع في ظلماء يبتغى شمسا مضيئة ونورا يهتدى به ، ومنهم من ابتلى بالعمى يطلب عينا يدله على الطريق : ومنهم من يشتكي من الظلماء يروم عينا صافية يرتوي بها ويبرد كبده الحرى ، ومنهم - مديون يطلب بدينه يبتغى عين الذهب كل أولئك يأتون بابه وكل واحد منهم يستفيد منه بما يسد به خلته وبرفع حاجته . ومن الواضح ان لفظة « العين » في المصراع الأخير استعمل في أربع معان : العين بمعنى الشمس ، والباصرة ، والنابعة ، وبمعنى الذهب ، كل واحد لو أحد من الطوائف الأربع ، . ولا يخفى على العارف بأساليب الكلام ولطائفها ومن له نصيب من قريحة الشعر وذوق الأدب ، أن لطف هذا الشعر انما هو باستعمال لفظ العين في معان اربع كل واحد مستقل عن الأخر . وإرجاع جميع هذه المعاني إلى معنى جامع قريب أو بعيد مع أنه يذهب بلطف الشعر وطراوته ، مخالف للوجدان لعدم انسباقه إلى الذهن عند إطلاقه ، ولو كان كذلك لا نسبق اليه بلا تأمل . كما أن تأويله إلى المسمى به « العين » يأباه الطبع السليم والقريحة الوقادة ولا ينسبق إلى الذهن أيضا من اللفظ بالوجدان . وقد أوضحنا جواز استعمال اللفظ الواحد في أكثر من معنى بدفع جميع ما ذكروا فيه من الاشكال فيما كبناه في « الأصول اللفظية »