والثاني أنه لم يكن يجهر بها دائما ولا يظهرها للناس في غير مواطن التعليم إذ لو كانت على الدوام وعلى الإظهار لكانت سنة ولم يسع العلماء أن يقولوا فيها بغير السنة إذ خاصيته - حسبما ذكروه - الدوام والإظهار في مجامع الناس ولا يقال لو كان دعاؤه عليه الاسلام سرا لم يؤخذ عنه لأنا نقول من كانت عادته الإسرار فلا بد أن يظهر منه أو يظهر منه ولو مرة إما بحكم العادة بقصد التنبيه على التشريع فإن قيل ظواهر الأحاديث تدل على الدوام بقول الرواة كان يفعل فإن يدل على الدوام كقولهم كان حاتم يكرم الضيفان قلنا ليس كذلك بل يطلق على الدوام وعلى الكثير والتكرار على الجملة كما جاء في حديث عائشة رضى الله عنها أنه عليه الصلاة والسلام كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة وروت أيضا أنه كان عليه الصلاة والسلام ينام وهو جنب من غير أن يمس ماء بل قد يأتي في بعض الأحاديث كان يفعل فيما لم يفعله إلا مرة واحدة نص عليه أهل الحديث ولو كان يداوم المداومة التامة للحق بالسنن كالوتر وغيره ولو سلم فإني هيئة الاجتماع فقد حصل أن الدعاة بهيئة الاجتماع دائما لم يكن من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم . كما لم يكن قوله ولا إقراره وروى البخاري من حديث أم سلمة أنه صلى الله عليه وسلم كان يمكث إذا سلم يسيرا قال ابن شهاب حتى ينصرف الناس فيما نرى وفي مسلم عن عائشة رضى الله عنها كان إذا سلم لم يقعد إلا مقدار ما يقول اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام وأما فعل الأئمة بعده فقد نقل الفقهاء من حديث أنس في غير كتب الصحيح صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم فكان إذا سلم يقوم وصليت خلاف أبى بكر رضى الله عنه فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة يغنى الحجر المحمى ونقل ابن يونس الصقلي عن ابن وهب عن خارجة أنه كان يعيب على الأئمة قعودهم بعد السلام وقال إنما كانت الأئمة ساعة تسلم تقوم وقال ابن عمر جلوسه بدعة وعن ابن مسعود رضى الله عنه قال لأن يجلس على الرضف خير له من ذلك وقال مالك في المدونة إذا سلم فليقم ولا يقعد إلا أن يكون في سفر أو فنائه .