صلى الله عليه وسلم إن لنفسك عليك حقا إلى آخر الحديث فقرن حق النفس بحق الغير في الطلب في قوله فأعط كل ذي حق حقه ثم جعل ذلك حقا من الحقوق ولا يطلق هذا اللفظ إلا على ما كان لازما ويدل عليه أنه لا يحل للإنسان أن يبيح لنفسه ولا لغيره دمه ولا قطع طرف من أطرافه ولا إيلامه بشئ من الآلام ومن فعل ذلك أثم واستحق العقاب وهو ظاهر وإن قلنا إنه من حق العبد وراجع إلى خيرته فليس ذلك على الإطلاق إذ قد تبين في الأصول أن حقوق العباد ليست مجردة من حق الله والدليل على ذلك - فيما نحن فيه - أنه لو كان إلى خيرتنا بإطلاق لم يقع النهى فيه علينا بل كنا نخير فيه ابتداء وإلى ذلك فإنه لو كان بخيرة المكلف محضا لجاز للناذر العبادة أن يتركها متى شاء ويفعلها متى شاء وقد اتفق الأئمة على وجوب الوفاء بالنذر فيجرى ما أشبه مجراه وأيضا فقد فهمنا من الشرع أنه حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا ومن جملة التزيين تشريعه على وجه يستحسن الدخول فيه ولا يكون هذا مع شرعية المشقات وإذا كان الإيغال في الأعمال من شأنه في العادة أن يورث الكلل والكراهية والانقطاع - الذي هو كالضد لتحبيب الإيمان وتزيينه في القلوب - كان مكروها لأنه على خلاف وضع الشريعة فلم ينبغ أن يدخل فيه على ذلك الوجه وأما الثاني فإن الحقوق المتعلقة بالمكلف على أصناف كثيرة وأحكامها تختلف حسبما تعطيه أصول الأدلة ومن المعلوم أنه إذا تعارض على المكلف حقان ولم يمكن الجمع بينهما فلا بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل فلو تعارض على الجمع بينهما فال بد من تقديم ما هو آكد في مقتضى الدليل فلو تعارض على المكلف واجب ومندوب لقدم الواجب على المندوب وصار المندوب في ذلك الوقت غير مندوب بل صار واجب الترك عقلا أو شرعا من باب ما لا يتم الواجب إلا به وإذا صار واجب الترك فكيف يصير العامل به إذ ذاك متعبدا لله به بل هو متعبد بما هو مطلوب في أصول الأدلة لأن دليل الندب عتيد ولكنه مع ذلك بالنسبة إلى هذا التعبد مانع من العمل به وهو حضور الواجب فإن عمل بالواجب فلا حرج في ترك المندوب على الجملة إلا أنه غير مخلص من جهة ذلك الالتزام المتقدم وقد مر ما فيه . وإن عمل بالمندوب عصى بترك الواجب