يودَع الحبس ، وقالوا له : ( قد قتل الله الكذّاب - المختار - الذي كنت تدّعي نصرته ) [1] . وجاء العبّاسيّون ليرسّخوا فكرة الكيسانيّة ، ويعدّلوا منهجها ويضيفوا ويحذفوا ، فجعلوا من تلك الحركة قاعدة شعبيّة لمحمّد ابن الحنفيّة - الذي هو بريء من تلك الحركة لأنّها ولدت بعد وفاته [2] - وقالوا : عندما حضرته الوفاة أوصى إلى ابنه عبد الله ( أبي هاشم ) ، وكما يقول ابن خلدون : ( وآخرون يزعمون أنّ أبا هاشم لمّا مات بأرض السراة منصرفاً من الشام أوصى إلى محمّد بن علي بن عبد الله بن العبّاس ، وأوصى محمّد إلى ابنه إبراهيم المعروف بالإمام ، وأوصى إبراهيم إلى أخيه عبد الله ابن الحارثيّة الملقّب بالسفّاح ، وأوصى هو إلى أخيه عبد الله ، أي جعفر الملقّب بالمنصور ، وانتقلت في ولده بالنص واحداً بعد الآخر إلى آخرهم ، وهذا هو مذهب الهاشميين القائمين بدولة بني العبّاس ) [3] . وسرّ ترسيخ العبّاسيين لهذه الفكرة هو الشرعيّة التي تمدّهم بها هذه السلسلة الطويلة من الوصايا التي تؤهّلهم لاستلام الحكم وقيادة المسلمين . إذن ، كان دور العبّاسيين مهماً جدّاً في ترسيخ هذه الفكرة ؛ لأنّ الكيسانيّة كانت تقول : إنّ الإمامة في ابن الحنفيّة وذريّته [4] . وهذا بند وثائقي ينفع العبّاسيين في المطالبة بالحكم ، والشرعيّة للقيادة . وهذا البند من البنود المزعومة للكيسانيّة . إذن ، سرّ ذيوع هذه الحركة هو الشعار الأموي ، والدعم الزبيري ، والتأصيل العبّاسي لهذه الحركة في المجتمع الإسلامي ، فقد اتحد الأضداد في فكرة واحدة هدفها متشعّب يخدم الجميع .
[1] الطبقات الكبرى : ج 5 ، ص 79 / 680 . [2] معجم رجال الحديث : ج 18 ، ص 101 . [3] مقدمة ابن خلدون : ص 199 - 200 . [4] الفصول المختارة : ص 296 .