في ربوع المناطق الإسلاميّة ، دوّت بشعاراتها التي حملتها زينب ووصيّه علي بن الحسين ( عليهما السلام ) ، ولكن وبعد أن استقرّ الأمر ليزيد مدّة من الزمن ، ادّعى كما ادّعى أبيه من قبل ، بأنّه خليفة الله ، وراح يحارب مصاديق الإمامة الإلهيّة التي طرحها رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولكن شيئاً فشيئاً صار المصداق مكتوماً ، وصارت الإمامة كما يقول الحسين ابن عبد الوهاب : ( صارت الإمامة في عصر الإمام مكتومة مستورة إلاّ من اتبعه من المؤمنين ) [1] . وهكذا راح الأئمّة ( عليهم السلام ) من ولد علي ( عليه السلام ) ينظرون إلى الموقف ، وإلى الظروف التي تحيط بهم . وبدأ الطغاة يبثّون العيون ، وخصوصاً أبا جعفر المنصور ، كما يقول الكليني ، فلقد بثّ جواسيسه في المدينة ينظرون إلى من تتفق شيعة جعفر عليه فيضربون عنقه [2] ، ولام هشام بن سالم نفسه عندما كلّم رجلاً من بني مخزوم بالإمامة وظلّ خائفاً للأجواء المحيطة بالإمام الصادق [3] . وتسابق كلّ من الأمويين والعباسيين بهذه السياسات الإرهابيّة للحصول على هذا المنصب ، فراح العبّاسيّون يعدّون سلسلة الوصاية بحيث جعلوا جذرها يرتوي من علي بن أبي طالب ( عليهما السلام ) ، ولكن عندما علموا أنّ أولاد علي الحسن والحسين وأولادهم أحقّ منهم بالمطالبة ، عدّلوا هذا البند ، وجعلوا الجذر يرتوي من العبّاس مباشرة ، والظروف هي التي كانت تحدّد موقف الإمام ، فتارة يعلن إمامته ويدافع عنها وأُخرى يكتم أمره ويأمر أصحابه بعدم إذاعة السرّ ؛ لضعف الناصر ، وقلّة العدد . هذه هي الظروف التي عاشتها الإمامة ، ولا بدّ أن تؤخذ في الحساب عندما تبحث هذه المسألة ، وكلّ من حاول أن يحدّد موقف الإمام بدون هذا الواقع وبدون تلك المقدّمات تصبح دراسته ناقصة غير موصلة إلى نتيجة سليمة ، وبهذا وقع أحمد
[1] عيون المعجزات : ص 67 . [2] الكافي : ج 1 ، ص 412 ، باب 7 . [3] معجم رجال الحديث : ج 19 ، ص 298 .