الكاتب عندما رأى أنّ بعض الأئمّة أمروا أصحابهم بعدم إذاعة السر ، وبعضهم عمل على خلاف ذلك ، راح يشكّك بنظريّة الإمامة الإلهيّة ، ناسياً أنّ فكرة الإمامة لم تختفِ من الفكر الإسلامي قط ، والذي حصل أنّ هذا الإمام أو ذاك أخفى نفسه خوفاً على الموقع الذي يشغله في الإسلام ، وعندما علم الكاتب أنّ القارئ ليس غافلاً عن هذه الظروف راح يبحث عن زاوية أُخرى ، وهي البيت العلوي وشخصيّاته الذين نقل التاريخ عن مواقفهم ببعض الروايات التي أُسيء فهمها ، وجعلها ضربة جديدة لنظريّة الإمامة ، والشخصيّة المقصودة هي شخصيّة زيد بن علي بن الحسين ( عليه السلام ) ، وما دار من حوار بين زيد وبين مؤمن الطاق ، فقال الكاتب : ( إنّ زيداً قد فوجئ بالإمامة ، واستغرب أن يكون الإمام السجّاد والد زيد قد أخبر مؤمن الطاق ولم يخبره ) [1] ، ولكن الكاتب تناسى قول زيد في الإمامة : وما نقله حول إمامة الاثني عشر لولده يحيى ، وعندما سأله ولده هل أنت منهم ، قال : ( لا ، ولكني من العترة ) ، ولهذا ترحّم عليه الصادق ( عليه السلام ) ، وأخبر أصحابه أنّ زيداً « كان مؤمناً وكان عارفاً ، وكان عالماً ، وكان صدوقاً ، أمَا إنّه لو ظفر لوفى » [2] ، فهذه الصفات والألقاب التي حازها زيد من الإمام الصادق ( عليه السلام ) تنم عن وفاء زيد ودرايته بالأمر ، والسرّ الذي أدّى بالكاتب وغيره من المؤلّفين إلى القول الخاطئ بحقّ زيد هو ذلك الحوار الذي دار بين زيد ( عليه السلام ) وبين مؤمن الطاق ، فلقد كان حواراً تلفّه السريّة التامّة في مسألة الإمامة ، ولم يتوصّل مؤمن الطاق إلى القصد الحقيقي لزيد ، ولأجل أن يقف القارئ على حقيقة الأمر ننقل ذلك الحوار بالكامل ، وللثمرات الجمّة التي تحتويها هذه المقابلة . تقول الرواية : ( إنّ زيداً بعث إلى مؤمن الطاق - وهو الذي يتكلّم - فقال لي : يا أبا جعفر ، ما تقول إن طرقك طارق منّا ، أتخرج معه ؟ قال : فقلت له : إن كان أباك أو أخاك خرجت معه . قال : فقال لي : فأنا أُريد أن أخرج أُجاهد هؤلاء القوم فأخرج معي . قال : قلت : لا ، ما أفعل جعلت فداك . قال : فقال لي : أترغب بنفسك عنّي ؟ قال :
[1] أحمد الكاتب ، تطوّر الفكر السياسي : ص 75 . [2] معجم رجال الحديث : ج 7 ، ص 347 .