واستطاعت الدولة الأمويّة أن تحجّم هذه الشخصيّة ، وتؤطّر ثورتها بإطار خاص ، لا يتعدّى تحقيق المطامع الشخصيّة لذلك الثائر البطل . أضف إلى ذلك ، النشاط السياسي الفعّال الذي قام به ابن الزبير ضد هذه الشخصيّة الإسلاميّة التي انتزعت الحكم من الزبيريين ، حتّى قاتل المختار مصعب بن الزبير ، الذي سيطر الأخير على الحكم ، ولقد ترجم الزبيريّون هذا الموقف ضدّ المختار عندما بعث ابن الزبير أخاه عروة إلى محمّد بن الحنفيّة يقول له : ( إنّي غير تاركك أبداً حتّى تبايعني أو أُعيدك في الحبس ، وقد قتل الله الكذّاب الذي كنت تدّعي نصرته ) [1] . فتحجيم شخصيّة المختار وتأطيرها بإطار ضيّق اجتمع عليه المتضادّان ، الدولة الأمويّة والزبيريّون ، ورموه بالتهم والأباطيل ، وحاولوا إخفاء حقيقة ثورته ؛ لأنّ في حقيقة ثورته الاعتراف بإمامة زين العابدين عندما كتب إليه ، كما يقول المسعودي ، وهذا الاعتراف يدين كلا الطرفين ، يدين الدولة الأمويّة لاستلامها مقاليد السلطة في المجتمع الإسلامي مع وجود أئمّة الحقّ ومصابيح الدجى « الذين جعلهم الله عزّ وجلّ أئمّة للناس وأوجب عليهم طاعتهم » [2] ، كما يقول الإمام زين العابدين ( عليه السلام ) . ويدين الزبيريين الذين يدعون الناس إليهم ، ويحاولون كمّ الأفواه بالنار والحديد ، كما هو واضح في تهديدهم لمحمّد بن الحنفيّة ، إمّا بالبيعة أو بالحبس [3] . إذن ، عقيدة المختار اجتمع على تشويهها الأعداء - الأمويّون والزبيريّون - لأنّ تلك العقيدة أرادت نصرة أهل البيت ( عليهم السلام ) وإرجاع الحق إليهم ، ولقد وفّى بعض هذه الأهداف ، وقال بحقّه الإمام الصادق ( عليه السلام ) : « ما امتشطت فينا هاشميّة ولا اختضبت حتّى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين ( عليه السلام ) » ، وهذه الرواية صحيحة السند كما يقول السيّد الخوئي [4] .
[1] الطبقات الكبرى : ج 5 ، ص 79 / 680 . [2] كمال الدين : ص 299 - 300 . [3] الطبقات الكبرى : ج 5 ، ص 79 / 680 . [4] معجم رجال الحديث : ج 18 ، ص 94 .