إذن ، إذا كانت الشورى كنظرة سياسيّة غائبة فضلاً عن كونها نظريّة سياسيّة ، فلماذا طرحها عمر للساحة ؟ ولماذا أكّدها وشدّد عليها بقوله : ( فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعة تغرّةً أن يُقتلا ) ، كلّ ذلك يبين لنا أنّ الخليفة الثاني كان يعيش أزمة ، وكان خائفاً من شيء يدور خلف الكواليس ، فما هو هذا الشيء الذي سبَّب أرق الخليفة الثاني في مسألة الخلافة يا ترى ؟ أجاب على ذلك ابن حجر العسقلاني عندما ذكر أنّ عبد الرحمن بن عوف جاء إلى ابن عباس في موسم الحجّ ، وكان يتعلّم عنده القرآن ، فقال له : ( لو سمعت ما قاله أمير المؤمنين - يعني عمر بن الخطّاب - إذ بلغه أنّ فلاناً قال : لو قد مات عمر لبايعت فلاناً ، فما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة [1] . فهمَّ عمر أن يخطب الناس ردّاً على هذا القول ، فنهيته لاجتماع الناس كلّهم في الحجّ ، وقلت له : إذا عدت المدينة فقل هناك ما تريد ، فإنّه أبعد عن إثارة الشغب . . . فلمّا رجعوا من الحجّ إلى المدينة ، قام عمر في خطبته فقال : لا يفترنّ امرؤ أن يقول : إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة ، وتمت ، ألا إنّها قد كانت كذلك ، ولكن وقى الله شرّها ! فمن بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّةً أن يُقتلا ) [2] . إذن ، هذا الكلام الأخير الذي تناقلته كتب الحديث والتاريخ السنيّة ، والذي سنّ فيه الخليفة الثاني مبدأ الشورى كنظرية سياسيّة ، كان ردّاً على فلان الذي قال : ( لو مات عمر لبايعت فلاناً ) [3] . وهنا يبرز سؤال ، من هو فلان القائل ؟ ومن هو فلان الذي إذا مات عمر يبايعه القائل ؟ أمّا القائل : ( لو مات عمر لبايعت فلاناً ) ، فقد صرّح به ابن حجر العسقلاني بقوله :
[1] فتح الباري : ج 14 ، ص 109 ، باب 31 ؛ ارشاد الساري : ج 14 ، ص 339 ، كتاب الحدود ، باب 30 . [2] صحيح البخاري : كتاب المحاربين من أهل الردّة والكفر ، باب رجم الحبلى من الزنا ، ح 6442 ؛ مسند أحمد : ج 1 ، ص 56 ، ح 393 ؛ سيرة ابن هشام : ج 4 ، ص 308 - 309 ؛ تاريخ الطبري : ج 2 ، ص 446 . [3] إرشاد الساري : ج 14 ، ص 339 ، كتاب الحدود ، باب 30 .