التكفير المطلق لا يستلزم تكفير الشخص المعين ( إن المجتهد في مثل هذا - يعني : إنكار علو الله - من المؤمنين إن استفرغ وسعه في طلب الحق ؛ فإن الله يغفر له خطأه وإن حصل منه نوع تقصير ، فهو ذنب لا يجب أن يبلغ الكفر ، وإن كان يُطلق القول بأن هذا الكلام كفر كما أطلق السلف الكفر على من قال ببعض مقالات الجهمية ، مثل القول بخلق القرآن أو إنكار الرؤية أو نحو ذلك مما هو دون إنكار علو الله على الخلق ، وأنه فوق العرش ؛ فإن تكفير صاحب هذه المقالة كان عندهم من أظهر الأمور ، فإن التكفير المطلق مثل الوعيد المطلق ، لا يستلزم تكفير الشخص المعيَّن حتى تقوم عليه الحجة التي تكفِّر تاركها . كما ثبت في الصحاح عن النبي ( ص ) في الرجل الذي قال : « إذا أنا مت فاحرقوني ثم اسحقوني ثم ذرُّوني في اليم ؛ فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذاباً لا يعذبه أحداً من العالمين ، فقال الله له : ما حملك على ما فعلت ؟ قال : خشيتك . فغفر له » [1] . فهذا الرجل اعتقد أن الله لا يقدر على جمعه إذا فعل ذلك أو شك ، وأنه لا يبعثه ، وكلٌ من هذين الاعتقادين كفر يكفر من قامت عليه الحجة ، لكنه كان يجهل ذلك ، ولم يبلغه العلم بما يرده عن جهله ، وكان عنده إيمان بالله وبأمره ونهيه ووعده ووعيده ، فخاف من عقابه ، فغفر الله له بخشيته . فمن أخطأ في بعض مسائل الاعتقاد من أهل الإيمان بالله وبرسوله وباليوم الآخر والعمل الصالح لم يكن أسوأ حالاً من هذا الرجل ؛ فيغفر الله
[1] رواه البخاري في ( الأنبياء ) ، وقد تقدم تخريجه . انظر : ( ص 46 ) .