الإيمان والنِّفاق أصله في القلب والعمل دليل عليه وإذا حصل دليل الشَّيء حصل أصله المدلول عليه ( . . . وأيضاً ؛ فإنَّ الله سبحانه وإن كان قد علم منهم - يعني : الذين لمزوا النَّبيَّ - النِّفاق قبل هذا القول ، لكن لم يُعلِم نبيَّه بكلِّ من لم يظهر نفاقه ، بل قال : { وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الأعْرابِ مُنافِقونَ وَمِنْ أهْلِ المدينَةِ مَرَدوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنَ نَعْلَمُهُمْ } [1] ، ثمَّ إنَّه سبحانه ابتلى النَّاس بأمور يميِّز بين المؤمنين والمنافقين ؛ كما قال تعالى : { وَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الذينَ آمَنوا وَلَيَعْلَمَنَّ المُنافِقينَ } [2] ، وقال تعالى : { ما كانَ اللهُ لِيَذَرَ المُؤْمِنينَ عَلَى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَميزَ الخَبيثَ مِنَ الطَّيِّبِ } [3] ، وذلك لأنَّ الإيمان والنِّفاق أصله في القلب ، وإنَّما الذي يظهر من القول والفعل فرع له ودليل عليه ؛ فإذا ظهر من الرَّجل شيء من ذلك ترتَّب الحكم عليه ، فلمَّا أخبر سبحانه أنَّ الذين يلمزون النَّبيَّ ( ص ) والذين يؤذونه من المنافقين ثبت أنَّ ذلك دليلٌ على النِّفاق وفرعٌ له ، ومعلومٌ أنَّه إذا حصل فرعُ الشَّيء ودليلهُ حصل أصلُه المدلولُ عليه ؛ فثبت أنَّه حَيْثُما وُجد ذلك كان صاحبه منافقا ، ً سواء كان منافقاً قبل هذا القول أو حَدَثَ له النِّفاق بهذا القول . فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون هذا القولُ دليلاً للنَّبيِّ ( ص ) على نفاق أولئك الأشخاص الذين قالوه في حياته بأعيانهم وإن لم يكن دليلاً من غيرهم ؟ قلنا : إذا كان دليلاً للنَّبيِّ ( ص ) الذي يمكن أن يُغْنِيَهُ الله بِوَحْيِهِ عن الاستدلال ؛ فأن يَكُونَ دليلاً لمن لا يمكنه معرفةُ البواطنِ أوْلى وأحْرَى .