. . . فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل ، وقد يكون الواجب في بعضها - كما بينته فيما تقدم - : العفو عند الأمر والنهي في بعض الأشياء ؛ لا التحليل والإسقاط ، مثل أن يكون في أمره بطاعة فعلاً لمعصية أكبر منها ، فيترك الأمر بها دفعاً لوقوع تلك المعصية ، مثل أن ترفع مذنباً إلى ذي سلطان ظالم فيعتدى عليه في العقوبة ما يكون أعظم ضرراً من ذنبه ، ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركاً لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات ؛ فيسكت عن النهي خوفاً أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر . فالعالم تارة يأمر ، وتارة ينهى ، وتارة يبيح ، وتارة يسكت عن الأمر أو النهي أو الإباحة ؛ كالأمر بالصلاح الخالص أو الراجح ، أو النهي عن الفساد الخالص أو الراجح ، وعند التعارض يرجح الراجح - كما تقدم - بحسب الإمكان ، فأما إذا كان المأمور والمنهي لا يتقيد بالممكن ؛ إما لجهله ، وإما لظلمه ، ولا يمكن إزالة جهله وظلمه ؛ فربما كان الأصلح الكف والإمساك عن أمره ونهيه ، كما قيل : إن من المسائل مسائل جوابها السكوت ، كما سكت الشارع في أول الأمر عن الأمر بأشياء والنهي عن أشياء حتى علا الإسلام وظهر . فالعالم في البيان والبلاغ كذلك قد يؤخر البيان والبلاغ لأشياء إلى وقت التمكن ، كما أخر الله سبحانه إنزال آيات وبيان أحكام إلى وقت تمكن رسول الله ( تسليماً إلى بيانها . . . ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وإن كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم ؛ فإن العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجباً في الأصل ، والله أعلم .