تختلف فيه الشرائع ، بخلاف الباب الأول ؛ فإن جنسه مما لا يمكن اختلاف الشرائع فيه وإن اختلفت في أعيانه ، بل ذلك ثابت في العقل ، كما يقال : ليس العاقل الذي يعلم الخير من الشر ، وإنما العاقل الذي يعلم خير الخيرين وشر الشرين ، وينشد : إن اللبيب إذا بدى من جسمه مرضان مختلفان داوى الأخطرا . . . ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان ، كما قال بعض العقلاء : ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان . . . . . . ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة ؛ فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب أو أحب ، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوباً تارة واستحباباً أخرى . ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر ، بل ومسألته أن يجعله على خزائن الأرض ، وكان هو وقومه كفاراً ؛ كما قال تعالى : { وَلَقَدْ جاءَكُمْ يوسُفُ مِنْ قَبْلُ بالبَيِّناتِ فَمَا زِلْتُمْ في شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ . . . } [1] الآية ، وقال تعالى عنه : { يا صاحِبَيَّ السِّجْنِ أأرْبابٌ مُتَفَرِّقونَ خَيْرٌ أمِ اللهُ الواحِدُ القَهَّارُ . ما تَعْبُدونَ مَنْ دونِهِ إلاَّ أسْماءً سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤكُمْ . . . } [2] الآية ، ومعلوم أنه مع كفرهم لا بد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله ؛ فإن القوم لم يستجيبوا له ، لكن فعل