ضرر لدفع ما هو أعظم ضرراً منها ، وهي جرائمها ؛ إذ لا يمكن دفع ذلك الفساد الكبير إلا بهذا الفساد الصغير . وكذلك في « باب الجهاد » وإن كان قتل من لم يقاتل من النساء والصبيان وغيرهم حراماً ؛ فمتى احتيج إلى قتال قد يعمهم مثل الرمي بالمنجنيق والتبييت بالليل جاز ذلك ، كما جاءت فيها السنة في حصار الطائف ورميهم بالمنجنيق ، وفي أهل الدار من المشركين يبيتون ، وهو دفع لفساد الفتنة أيضاً بقتل من لا يجوز قصد قتله . وكذلك « مسألة التترس » التي ذكرها الفقهاء ؛ فإن الجهاد هو دفع فتنة الكفر ، فيحصل فيها من المضرة ما هو دونها ، ولهذا اتفق الفقهاء على أنه متى لم يمكن دفع الضرر عن المسلمين إلا بما يفضي إلى قتل أولئك المتترس بهم جاز ذلك ؛ وإن لم يخف الضرر ، لكن لم يمكن الجهاد إلا بما يفضي إلى قتلهم ؛ ففيه قولان . . . وأما الرابع ؛ فمثل أكل الميتة عند المخمصة ؛ فإن الأكل حسنة واجبة لا يمكن إلا بهذه السيئة ومصلحتها راجحة ، وعكسه الدواء الخبيث ؛ فإن مضرته راجحة على مصلحته من منفعة العلاج لقيام غيره مقامه ، ولأن البراء لا يتيقن به ، وكذلك شرب الخمر للدواء . فتبين أن السيئة تحتمل في موضعين : دفع ما هو أسوأ منها إذا لم تدفع إلا بها ، وتحصل بما هو أنفع من تركها إذا لم تحصل إلا بها ، والحسنة تترك في موضعين : إذا كانت مفوتة لما هو أحسن منها ، أو مستلزمة لسيئة تزيد مضرتها على منفعة الحسنة ، هذا فيما يتعلق بالموازنات الدينية . وأما سقوط الواجب لمضرة في الدنيا وإباحة المحرم لحاجة في الدنيا ؛ كسقوط الصيام لأجل السفر ، وسقوط محظورات الإحرام وأركان الصلاة لأجل المرض ؛ فهذا باب آخر يدخل في سعة الدين ورفع الحرج الذي قد