وأما « أهل الجمل وصفين » ؛ فكانت منهم طائفة قاتلت من هذا الجانب ، وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا لا من هذا الجانب ولا من هذا الجانب ، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي ( ص ) في ترك القتال في الفتنة ، وبينوا أن هذا قتال فتنة . وكان علي رضي الله عنه مسروراً لقتال الخوارج ، ويروي الحديث عن النبي ( ص ) في الأمر بقتالهم ، وأما قتال « صفين » ؛ فذكر أنه ليس معه فيه نص ، وإنما هو رأي رآه ، وكان أحياناً يحمد من لم ير القتال . وقد ثبت في « الصحيح » عن النبي ( ص ) أنه قال في الحسن : « إن ابني هذا سيد ، وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين » [1] ؛ فقد مدح الحسن وأثنى عليه بإصلاح الله به بين الطائفتين : أصحاب علي ، وأصحاب معاوية ، وهذا يبين أن ترك القتال كان أحسن ، وانه لم يكن القتال واجباً ولا مستحباً . و « قتال الخوارج » قد ثبت عنه أنه أُمر به وُحَّض عليه ؛ فكيف يسوى بين ما أُمر به وحُضَّ عليه ، وبين ما مُدح تاركه وأُثني عليه ؟ ! فمن سوَّى بين قتال الصحابة الذين اقتتلوا بالجمل وصفِّين وبين قتال ذي الخويصرة التميمي وأمثاله من الخوارج المارقين والحرورية المعتدين ؛ كان قولهم من جنس أقوال أهل الجهل والظلم المبين ، ولزم صاحب هذا القول أن يصير من جنس الرافضة والمعتزلة الذين يكفرون أو يفسقون المتقاتلين بالجمل وصفين ، كما يقال مثل ذلك في الخوارج المارقين ؛ فقد اختلف السلف والأئمة في كفرهم على قولين مشهورين ، مع اتفاقهم على
[1] رواه البخاري في ( الصلح ، باب قول النبي للحسن بن علي ابني هذا سيد ، 2704 ، وفي المناقب ، باب علامات النبوة في الإسلام ، رقم 3629 ) ؛ من حديث أبي بكرة رضي الله عنه .