قال:
وهكذا الزهد.. فهو ينتظم من علم وحال، وعمل .. فالعلم هو السبب في الحال، وهو يجرى
مجرى المثمر، والعمل يجرى من الحال مجرى الثمرة.
قلت:
فهلا وضحت لي العلم الذي يدعو إلى الزهد.
قال:
لن تفهمه حتى تفهم الحال التي تسمى زهدا.
قلت:
أنبدأ باللاحق قبل السابق، وبالمتأخر قبل المتقدم.
قال:
إن توقف فهم المتقدم على المتأخر، والسابق على اللاحق، فلا حرج عليك أن تبدأ به..
بل عليك أن تبدأ به.
قلت:
لا بأس .. فحدثني عن حال الزهد.
قال:
حال الزهد هو عبارة عن انصراف رغبات النفس عن الشيء إلى ما هو خير منه.. فكل من رغبت
نفسه عن شيء إلى غيره بمعاوضة وبيع وغيره فإنما عدل عنه لرغبته عنه.. وإنما عدل
إلى غيره لرغبته في غيره، فحاله بالإضافة إلى المعدول عنه يسمى زهدا، وبالإضافة
إلى المعدول إليه يسمى رغبة وحبا.
قلت:
وعيت هذا.. أي أن الزهد يستدعى مرغوبا عنه، ومرغوبا فيه هو خير من المرغوب عنه.
قال:
أجل بشرط واحد، وهو أن يكون المرغوب عنه أيضا مرغوبا فيه بوجه من الوجوه.. فمن رغب
عما ليس مطلوبا في نفسه لا يسمى زاهدا .. فتارك الحجر والتراب وما أشبهه لا يسمى
زاهدا.. وإنما يسمى زاهدا من ترك الدراهم والدنانير، لأن التراب والحجر ليسا في
مظنة الرغبة