.. وشرط
المرغوب فيه أن يكون عنده خيرا من المرغوب عنه، حتى تغلب هذه الرغبة.
قلت:
وعيت هذا.. وقد أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى عن يوسف عليه السلام: ﴿وَشَرَوْهُ
بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ﴾
[يوسف: 20]، فقد وصف الله تعالى إخوة يوسف بالزهد فيه، إذ أرادوا بذلك أن يخلو لهم
وجه أبيهم، وكان ذلك عندهم أحب إليهم من يوسف، فباعوه طمعا في العوض.
قال:
أجل.. ولهذا فإن الزهد يشمل جميع الناس .. من زهد منهم في الدنيا، ومن زهد في
الآخر.. فمن باع الدنيا بالآخرة فهو زاهد في الدنيا.. وكل من باع الآخرة بالدنيا
فهو أيضا زاهد، ولكن في الآخرة.
قلت:
ما دام الأمر كذلك.. فلم خصصتم الزهد بالزهد في الدنيا؟
قال:
هكذا جرى العرف، وإلا فإن الزاهد الحقيقي هو ذلك الذي باع آخرته بدنياه.. أما من
آثر أخراه على أولاه، فهو أكثر الناس حرصا، وأعظمهم رغبة.
قلت:
وعيت هذا.. والزهد بهذا الذي وصفت مراتب عديدة ودرجات كثيرة.
قال:
أجل.. وأعلاها درجة، وأرفعها منزلة من رغب عن كل ما سوى الله تعالى، حتى الفردوس
الأعلى، فلا يحب إلا الله، ولا يرغب إلا في القرب منه.. وبعده الذي يرغب في حظوظ
الآخرة، ويقدمها على حظوظ الدنيا.. وبعده الذي يترك من حظوظ الدنيا البعض دون
البعض، كالذي يترك المال دون الجاه، أو يترك التوسع في الأكل ولا يترك التجمل في
الزينة.. وهكذا.