قال زكريا: نعم هو خفي.. لأنه يرتبط بحقيقة
الروح التي قال الله فيها :﴿ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي
وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)﴾ (الإسراء)، فقد أخبر الله
تعالى أن الروح أمر رباني.. وذلك يشير إلى أنها بطبعها تحب الربوبية، ومعنى
الربوبية التوحد بالكمال والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال.. ولذلك قال بعض الصالحين:
(ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله :﴿ أَنَا رَبُّكُمُ
الْأَعْلَى (24)﴾ (النازعات)، ولكنه ليس يجد له مجالاً)
قام
آخر، وقال: لقد بث تشبيهك للجاه بالمال في نفسي شبهة أستحيي من ذكرها.
قال
زكريا: لا عليك.. سأجيبك عنها من غير أن تسألني.. أنت تريد أن تقول: بما أن
أنه
لا بد من المال لتقوم الحياة، فلا بد من الجاه كذلك..
قال
الرجل: ذلك ما أردت قوله.. فما جوابك عن هذه الشبهة؟
قال
زكريا: كما أنه لابد من أدنى مال لضرورة المطعم والمشرب والملبس، فلا بد – قياسا عليه- من أدنى جاه لضرورة
المعيشة مع الخلق.. والإنسان كما لا يستغني عن طعام يتناوله فيجوز أن يحب الطعام
أو المال الذي يبتاع به الطعام، فكذلك لا يخلو عن الحاجة إلى رفيق يعينه، وأستاذ
يرشده، وسلطان يحرسه ويدفع عنه ظلم الأشرار، فحبه لأن يكون له في قلب قلوب هؤلاء
جميعا من المنزلة ما يدعوهم إلى رعايته والاهتمام به ليس حبا مذموما..
قال
الرجل: لقد أورد علي حديثك هذا شبهة أخرى.
قال
زكريا: والجواب عليها سهل يسير، فيمكن استعمال القياس لتفهم الحقيقة، وتزول
الشبهة.