فإذا عرفتم هذا، فاحذروا أن تنظروا إلى
قصوركم بعيونكم الفانية، بل انظروا إليها بعين الأزل والأبد، لتروها خرابا يبتني
فوق الخراب.
فإن
وصلت هذه الرؤية العرفانية إلى محل التحكم في سلوككم منعتكم من أن تذلوا أمام
القصور والأبراج، وجعلتكم ترددون ما قال الشاعر:
شادَ الملوكُ قصورَهم
وتَحَصَّنوا
عن كُلِّ طالبِ حاجةٍ، أو
راغبِ
غالوا بأبوابِ الحديد
لعزِّهم
وتنوقوا في قبحِ وجه
الحاجبِ
وإِذا تلطفَ للدخولِ إِليهمُ
راجٍ تلقَّوهُ بوعدٍ كاذبِ
فارغبْ إِلى ملكِ الملوكِ
ولا تكنْ
يا ذا الضراعةِ طالباً من
طالبِ
***
بعد
أن تحدث بهذا وغيره للفريقين ثارت في نزعة الجدل، فرحت أقطع حديثه بقولي: ولكن ما
تقول؟.. وبم تستدل؟ أراك تريد أن تهدم بالأشعار ما أمرت النصوص المقدسة ببنائه.. ألم
تسمع إلى الله تعالى، وهو يثني خيرا على صرح سليمان ، والذي كان
سببا في إسلام ملكة سبأ، قال تعالى :﴿ قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا
رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ
مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ
مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (44)﴾ (النمل)
التفت
إلي مبتسما، وقال: صدقت.. لقد أثنى الله على صرح سليمان.. ولكنه في نفس الوقت ذم
صرح فرعون.. لقد قال في ذلك :﴿ وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا
عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ
فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي
لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ (38) وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (39)
فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ