قال هارون: لا أنصحكم بذلك.. ولكني سأدلكم في
التداريب على الكثير من السبل العملية لذلك.
قلنا:
وعينا هذا.. فما غيره؟
قال
هارون: فضول الكلام.
قلنا:
فما تريد بهذا؟.. وما الفرق بينه وبين الذي قبله؟
قال
هارون: هو الخوض فيما لا يعني أو الزيادة فيما يعني على قدر الحاجة.. فإن من يعنيه
أمر يمكنه أن يذكره بكلام مختصر، ويمكنه أن يجسمه ويقرره ويكرره.. ومهما تأدى
مقصوده بكلمة واحدة فذكر كلمتين، فالثانية فضول - أي فضل عن الحاجة –
قال
رجل منا: أهذا أيضا مذموم، وإن لم يكن فيه إثم ولا ضرر ؟
قال
هارون: أجل.. وقد اتفق على هذا كل من لقيتهم من الصالحين، وقد زرت بعضهم مع نفر
من قومي، فقال لنا: (يا بني أخي، إنّ من كان قبلكم كانوا يكرهون فضول الكلام،
وكانوا يعدّون فضول الكلام ما عدا كتاب اللّه أن تقرأه، أو تأمر بمعروف، أو تنهى
عن منكر، أو تنطق بحاجتك في معيشتك الّتي لا بدّ لك منها، أتنكرون ﴿ وَإِنَّ
عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (10) كِرَامًا كَاتِبِينَ (11) يَعْلَمُونَ مَا
تَفْعَلُونَ (12)﴾ (الانفطار) ﴿ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (17)
مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلاَّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (18)﴾ (ق). أما يستحي
أحدكم أن لو نشرت عليه صحيفته الّتي أملى صدر نهاره، كان أكثر ما فيها ليس من أمر
دينه ولا دنياه)
وقال
لنا آخر: إن الرجل ليكلمني بالكلام لجوابه أشهى إلى من الماء البارد إلى الظمآن
فأترك