قال له رجل منا: وعينا هذا.. فهلا فصلت لنا ما
ينبغي اجتنابه من الكلام.. فلا يمكن أن يظل أحدنا صامتا لا يتكلم.
قال:
من ذلك اجتناب الكلام فيما لا يعني..
قال
الرجل: فما ضابط ذلك؟
قال
هارون: ضابطه أن أن تتكلم بكلام لو سكت عنه لن تأثم ولم تستضر به في حال ولا مال.
قال
الرجل: فهلا ضربت لي مثالا على هذا.
قال
هارون: مثاله أن تجلس مع قوم فتذكر لهم أسفارك وما رأيت فيها من جبال وأنهار، وما
وقع لك من الوقائع، وما استحسنته من الأطعمة والثياب، وما تعجبت منه من مشايخ
البلاد ووقائعهم.. فهذه أمور لو سكت عنها لم تأثم ولم تستضر.. وإذا بالغت في
الجهاد حتى لم يمتزج بحكايتك زيادة ولا نقصان، ولا تزكية نفس من حيث التفاخر
بمشاهدة الأحوال العظيمة، ولا اغتياب لشخص ولا مذمة لشيء مما خلقه الله تعالى فأنت
مع ذلك كله مضيع زمانك - وأنى تسلم من الآفات التي ذكرتها –
ومن
جملتها أن تسأل غيرك عما لا يعنيك، فأنت بالسؤال مضيع وقتك وقد ألجأت صاحبك أيضاً
بالجواب إلى التضييع، هذا إذا كان الشيء مما يتطرق إلى السؤال عنه آفة، وأكثر
الأسئلة فيها آفات.. فإنك تسأل غيرك عن عبادته مثلاً فتقول له: هل أنت صائم؟ فإن
قال نعم، كان مظهراً لعبادته فيدخل عليه الرياء، وإن لم يدخل سقطت عبادته من ديوان
السر، وعبادة السر تفضل عبادة الجهر بدرجات، وإن قال: لا، كان كاذباً، وإن سكت كان
مستحقراً لك وتأذيت به، وإن احتال لمدافعة الجواب افتقر إلى جهد وتعب فيه. فقد
عرضته بالسؤال إما للرياء أو