وقد
أشار المسيح إلى هذا، فقال: (الدنيا قنطرة
فاعبروها ولا تعمروها).. وهذه حكمة عظيمة فالحياة الدنيا معبر إلى الآخرة، والمهد
هو الميل الأول على رأس القنطرة، واللحد هو الميل الآخر، وبينهما مسافة محدودة،
فمن الناس من قطع نصف القنطرة، ومنهم من قطع ثلثها، ومنهم من قطع ثلثيها، ومنهم من
لم يبق له إلا خطوة واحدة، وهو غافل عنها.. وكيفما كان فلا بد له من العبور،
والبناء على القنطرة وتزيينها بأصناف الزينة وأنت عابر عليها غاية الجهل والخذلان.
قال
أحد الحاضرين: صدقت.. لقد تأملت الدنيا، فوجدتها([350]) سريعة
الفناء، قريبة الانقضاء، تعد بالبقاء ثم تخلف في الوفاء.. تنظر إليها فتراها ساكنة
مستقرة، وهي سائرة سيراً عنيفاً ومرتحلة ارتحالاً سريعاً، ولكن الناظر إليها قد لا
يحس بحركتها فيطمئن إليها، وإنما يحس عند انقضائها.
ومثالها
الظل فإنه متحرك ساكن، متحرك في الحقيقة ساكن الظاهر، لا تدرك حركته بالبصر الظاهر،
بل البصيرة الباطنة.
قال
آخر: لقد ذكرت الدنيا عند بعضهم، فأنشد يقول:
أحلام نوم أو كظل زائل إن اللبيب
بمثلها لا يخدع
[349]
رواه أحمد وهناد والترمذى – وقال: حسن صحيح - وابن ماجه وابن
سعد والطبرانى والحاكم والبيهقى فى شعب الإيمان.
[350]
استفدنا الأمثلة والمواعظ الواردة هنا من كتاب (ذم الدنيا) من جملة كتب (إحياء
علوم الدين) للغزالي.