قادر على دركه فهو مغبون، والأرباح تنال
بمزايا الفضائل، فبذلك يأخذ العبد من دنياه لآخرته كما قال تعالى:﴿ وَابْتَغِ
فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ
الدُّنْيَا..(77)﴾ (القصص)
بل
إن الورع يراقب نفسه حتى في الساعات التي هو فيها مشغول الجوارح بالمطعم والمشرب،
فإنه مع هذا الاشتغال لا يخلو عن عمل هو أفضل الأعمال وهو الذكر والفكر، فإن
الطعام الذي يتناوله مثلاً فيه من العجائب ما لو تفكر فيه وفطن له كان ذلك أفضل من
كثير من أعمال الجوارح.
والناس
في هذا على أقسام: قسم ينظرون إليه بعين التبصر والاعتبار، فينظرون في عجائب صنعته
وكيفية ارتباط قوام الحيوانات به وكيفية تقدير الله لأسبابه، وخلق الشهوات الباعثة
عليه وخلق الآلات المسخرة للشهوة فيه.. وهذا مقام ذوي الألباب.
وقسم ينظرون فيه بعين المقت والكراهة ويلاحظون وجه الاضطرار إليه وبودهم لو
استغنوا عنه، ولكن يرون أنفسهم مقهورين فيه مسخرين لشهواته، وهذا مقام الزاهدين.
وقسم يرون في الصنعة الصانع، ويترقون منها إلى صفات الخالق، فتكون مشاهدة ذلك
سبباً لتذكر أبواب من الفكر تنفتح عليهم بسببه، وهو أعلى المقامات، وهو من مقامات
العارفين، وعلامات المحبـين، إذ المحب إإذا رأى صنعة حبـيبه وكتابه وتصنيفه نسي
الصنعة واشتغل قلبه بالصانع.
وقسم
ينظرون إليه بعين الرغبة والحرص، فيتأسفون على ما فاتهم منه ويفرحون بما حضرهم من
جملته، ويذمون منه ما لا يوافق هواهم ويعيبونه ويذمون فاعله فيذمون الطبـيخ
والطباخ،