سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس([86])البحر،
قال: فقال: هات يدك أبايعك على الإسلام، قال: فبايعه، فقال رسول الله (ص):(وعلى
قومك)، قال: وعلى قومي([87]).
انظر هذا الرجل كيف اكتفى من رسول الله (ص) بتلك الكلمات الممتلئة بفيوضات الحكمة..
اكتفى بها من غير جدل، ولا مراء، ولا خصومة.. وقد عرف النبي (ص) ما تنطوي عليه نفسه من خير، فلذلك بايعه
على أن يدعو قومه لله.
وهكذا في دعوته (ص)
لرجل لم يحفظ التاريخ اسمه، ولكنه حفظ لنا حكمته، والأسلوب الذي خاطبه به رسول
الله (ص).. فعن حرب بن سُريج قال: حدثني
رجل من بلْعَدَوِيَّة، قال: حدثني جدِّي قال: انطلقت إلى المدينة فنزلت عند
الوادي، فإذا رجلان بينهما عنز واحدة وإِذا المشتري يقول للبائع؛ أحسن مبايعتي،
قال: فقلت في نفسي: هذا الهاشمي الذي قد أضلَّ الناس أهو هو؟ قال: فنظرت فإذا رجل
حسن الجسم عظيم الجبهة، دقيق الأنف، دقيق الحاجبين، وإذا من ثُعْرة نحره إلى
سُرّته مثل الخيط الأسود شعر أسود، وإِذ هو بين طِمْرين قال: فدنا منا فقال:
السلام عليكم، فرددنا عليه، فلم ألبث أن دعا المشتري فقال: يا رسول الله، قل له:
يحسن مبايعتي، فمدَّ يده وقال: (أموالكم تملكون، إنِّي أرجو أن ألقى الله عزّ
وجلّ يوم القيامة لا يطلبني أحد منكم بشيء ظلمته في مال ولا في دم ولا عرض إلا
بحقه، رحم الله أمرأ سهل البيع، سهل الشراء، سهل الأخذ، سهل العطاء، سهل القضاء،
سهل التقاضي)، ثم مضى، فقلت: والله لأقضينَّ هذا فإنه حسن القول، فتبعته فقلت: يا
محمد، فالتفت إليَّ بجميعه فقال: (ما تشاء؟)، فقلت: أنت الذي أضللتَ الناس
وأهلكتَهم وصدَدتهم عمَّا كان يعبد آباؤهم؟ قال: (ذاك الله)، قال: ما تدعو إليه؟
قال: (أدعو عباد الله إلى الله)، قلت: ما تقول؟ قال: (أشهد أن لا إله إلا الله
وأنِّي محمد رسول الله، وتؤمن بما أنزله عليَّ، وتفكر باللات والعُزَّى، وتقيم
الصلاة، وتؤتي الزكاة)، قلت: وما الزكاة؟ قال: (يردّ غنينا على فقيرنا)؛ قلت:
نِعمَ الشيء تدعو إليه. قال: فلقد كان وما في الأرض أحد يتنفس أبغض إليّ منه، فما
برح حتى كان أحب إليّ من ولدي ووالديَّ ومن الناس أجمعين، فقلت: قد عرفتُ؛ قال:(قد
عرفتَ؟) قلت: نعم؛ قال: (تشهد أن لا إِله إِلا الله وأنِّي محمد رسول الله، وتؤمن
بما أُنزل عليّ)، قلت: نعم، يا رسول الله، إنِّي أرد ماءً عليه كثير من الناس
فأدعوهم إلى ما دعوتني إليه، فإنِّي أرجو أن يتَّبعوك، قال: نعم، فادعهم؛ فأسلم
أهل ذلك الماء رجالهم ونساؤهم، فمسح رسول الله (ص) رأسه([88]).
[86] قاموس البحر: هو وسطه ولجته
(النهاية في غريب الحديث والأثر: 5 / 81)