قال الكواكبي: أجل.. بل له علاقة عظمى.. أنتم تعلمون أن
الناس لا يدخلون في دين الله أفواجا، وهم يرون ديكتاتوريات المسلمين ومستبديهم..
فالفطرة البشرية تبغض الاستبداد، وتبغض المستبدين، وتبغض دين المستبدين.. فلذلك هم
يبغضون الإسلام، لا لكونه دين رب العالمين، ولكن لأن الذي يمثله هم المستبدون
الجائرون الذين ورثوا الحكم من غير أن يكونوا أهلا له.
ولذلك.. فأعداء الإسلام الذين يقفون كحصن منيع يحمي
المستبدين لا يقصدون من ذلك أن يؤذوا الرعية من المسلمين فقط.. وإنما قصدهم أن
يكون ذلك الاستبداد جدارا يقي رعاياهم من الدخول في دين الله أفواجا.
قال القمي: لقد ذكرتني بموقف لعلي يدل على ما للعدل من تأثير
في دخول الناس في دين الله أفواجا.. لقد حدث الإخباريون أن أمير المؤمنين عليّ بن
أبي طالب افتقد درعه ـ يوما من الأيام ـ فوجدها عند رجل نصراني، فاختصمه إلى شريح
القاضي، فقال عليّ مدعيا: الدّرع درعي، ولم أبع ولم أهب، وسأل شريح النصراني في
ذلك فقال: ما الدّرع إلاّ درعي، وما أمير المؤمنين عندي بكاذبٍ، فالتفت القاضي إلى
أمير المؤمنين عليّ، فقال: يا أمير المؤمنين، إن النصراني صاحب اليد على الدّرع،
وله بذلك حقٌ ظاهر عليها، فهل لديك بيّنة على خلاف ذلك تؤيد ما تقول؟ فقال أمير
المؤمنين: أصاب شريح، مالي بيّنة، وقضى شريحٌ بالدرع للنصراني، وأخذ النصراني
الدّرع وانصرف بضع خطوات، ثم عاد فقال: أما إني أشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير
المؤمنين يدنيني إلى قاضيه، فيقضي لي عليه، أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا
رسول الله، الدّرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين، فخرجت
من بعيرك الأورق، فقال علي : أما وقد أسلمت فهي لك.
انظروا كيف استطاع علي وارث رسول الله (ص) أن يتصرف التصرف المثالي الذي جعل هذا
الرجل لا يجد إلا أن يسلم.. لقد اضطره بموقفه هذا إلى الإسلام اضطرارا.
قال مطهري: وذكرني قوله هذا بحدث رواه ابن عباس قال: افتتح
رسول الله (ص) خيبر، واشترط أن له الأرض
وكل صفراء وبيضاء ـ يعني الذهب والفضة ـ فقال أهل خيبر: نحن أعلم بالأرض منكم،
فأعطناها على أن لكم نصف الثمرة، ولنا نصف، فزعم أنه أعطاهم على ذلك، فلما كان حين
يصرم النخل بعث إليهم عبد الله بن رواحة، فحرز عليهم النخل ـ وهو الذي يسميه أهل
المدينة الخرص ـ فقال: في ذِه كذا وكذا، قالوا أكثرت علينا يا ابن رواحة، فقال:
فأنا أَلي ـ أي أتولى ـ حزر النخل وأعطيكم نصف الذي قلت، قالوا: هذا الحق وبه تقوم
السماء والأرض قد رضينا أن نأخذه بالذي قلت([524]).