أجرهم على الله، فوالله لقد ابتليت بهذا القضاء، وبهم، ووالله
ما أكلت لهم القمة، ولا شربت لهم شربة، ولا لبست لهم ثوباً، ولا ركبت لهم دابة،
وما أخذت لهم صلة، وإني لأدخل عليه، فأكلمهم بالتشديد، وما عليه العمل وفيه
النجاة. ثم أخرج عنهم، فأحاسب نفسي، فأجد عليّ الدرك مع ما ألقاهم به في الشدة
والغلظة، وكثرة مخالفتي هواهم، ووعظي لهم. فوددت أن أنجو مما دخلت فيه كفافاً.
قلت: قد يكون الورع متشددا
يضيق علي ما وسع الله.. وأنا لا أحب أن أترك ما رخصه لنا الشرع.
قال: وسحنون لا
يقول إلا بهذا.. لقد ذكر لي عن بعض شيوخه قوله:(إنما الفقه الرخصة من ثقة، أما
التشديد فيحسنه كل أحد)
قلت: قد يكون
في المفتي كل ما ذكرت.. ولكنه لا يكون صاحب بصيرة يعرف بها الواقع، فلذلك يخطئ في
تطبيقه الأحكام.
قال: كلهم قد
يقع في هذا إلا سحنون.. فهو ملم بالواقع محيط به.. بل لم أره يجيب
عن مسألة إلا بعد أن يحيط بكل ما يرتبط بها علما.. لقد سمعته مرات
كثيرة يقول: (أجراً للناس على الفتيا، أقلّهم علماً. يكون عند الرجل باب واحد من
العلم، فيظن أن الحق كله فيه)
وسمعته يقول:(إني لأسأل عن
المسألة، فأعرف في أي كتاب وورقة وصفحة وسطر، فما يمنعني عن الجواب فيها إلا كراهة
الجرأة بعدي على الفتيا)
وقد قلت له مرة: تأتيك
المسائل مشهورة مفهومة، فتأبى الجواب فيها. فقال:(سرعة الجواب بالصواب أشد فتنة من
فتنة المال)
***
ما وصلنا من حديثنا إلى
هذا الموضع حتى بلغنا أعرق مسجد بالقيروان، وهو المسجد الذي كان منارة للعلم
والهدى قرونا طوالا..
دخلت ـ مع صاحبي ـ من بابه
الواسع، فرأيت رجلا ربع القامة، بين البياض والسمرة، حسن اللحية، كثير الشعر،
أعين،