رأيته يجلس على منصة عالية..
وعلى منصة على يمينه جلس رجال عليهم سمت العلماء، وعلى منصة على يساره جلس ناس من
العامة..
أشار صاحبي إليه، وقال: هذا هو سحنون.. فهيا بنا.. ولا تنسى
أن تتأدب بين يديه..
قلت: أراه قد فرق بين الناس.. فإلى أيهما نذهب؟
قال: أما الصنف الأول، فهو لمن يريد أن يسأل عن المسائل، ثم
ينصرف بعدها.. وأما الصنف الثاني، فهو لأهل العلم.. لمن يريد منهم أن يتعلم أصول
الفتاوى وآدابها ليستن بسنة رسول الله (ص) في ذلك.. وهذا يحتاج إلى صحبته مدة من الزمن لتترسخ فيه تلك الأصول
وتتثبت..
قلت: فهيا بنا إلى حيث يجلس الصنف الثاني.. فأنا لم أخرج من
بلادي إلا لأجل الأصول..
قال: ومسائلك التي تريد أن تسأل عنها؟
قلت: إذا تعلمت الأصول.. فسيسهل علي أن أجيب عنها.
جلسنا حيث يجلس
أهل العلم.. وقد حاولت أن ألتزم بجميع ما تعلمته من آداب في محاضر شنقيط.. وقد جعل
ذلك سحنونا يلتفت إلي، وهو يبتسم، ثم يعود إلى ما كان فيه، ويقول: لقد ذكر الأئمة خمسة
أصول للفتوى.. استنبطوها من كلام رسول الله (ص)
وكلام العلماء.. فقالوا:(لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه للفتيا حتى يكون فيه خمس
خصال: أولها: أن تكون له نية، فإن لم تكن له نية، لم يكن عليه نور، ولا على كلامه
نور، والثانية: أن يكون له حلم ووقار وسكينة، والثالثة: أن يكون قويا على ما هو
فيه وعلى معرفته، والرابعة: الكفاية (أي من العيش) وإلا مضغه الناس، والخامسة:
معرفة الناس)
وقد رأيت أن
هذه الأصول تؤول إلى أربعة.. لاشك أنكم تعرفونها: إنها العلم والورع والرفق
والبصيرة.