يقبض
العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً، فسئلوا،
فافتوا بغير علمٍ، فضلوا وأضلوا)([449])
قلت: إن وارث هذا الفن من فنون الهداية لا ينبغي إلا أن يكون
عالما.. فلا يمكن أن يفتي الجاهل.. فهل ترى سحنونا كذلك؟
قال: أجل.. ولولا ذلك ما
تصدى للإفتاء.. لقد أخذ العلم عن أهل المشرق وأهل المغرب.. بل لم يدع محلا من
المحال فيه علم من العلوم إلا قصده.. لقد شهد له..
قاطعته قائلا: لا يكفي أن يكون المرء عالما حتى يستحق هذا
المنصب الجليل، فقد يكون عالما، ولكن الدنيا تجذبه بحبالها، فلا يفتي بما يمليه
علمه، بل يفتي بما يمليه هواه.
قال: كلهم قد تجذبه الدنيا غير سحنون.. لقد بلغ من العمر
ثمانين سنة.. وهو لا يزال عصيا على كل من يريد أن ينحرف به عن العلم الذي تعلمه،
والأدب الذي تأدبه.
لقد قال فيه صاحب لي اسمه
عيسى ـ وهو من العلماء ـ: كان سحنون صمته لله، وكلامه لله، إذا أعجبه الكلام صمت،
وإذا أعجبه الصمت تكلم.
قلت: لا يمكن أن يظهر
الورع إلا فيمن احتوته المناصب.. وتملكته كراسيها وثقلت به إلى الأرض.
قال: كلهم قد تثقل به
الكراسي إلا سحنون.. لقد ولي القضاء بعد أن ألح عليه حاكم هذه البلدة.. فلم يترك
مظلمة إلا وردها.. لقد رأيته في اليوم الذي ولي فيه القضاء راكباً على دابة، ما
عليه كسوة ولا قلنسوة، والكآبة في وجهه، ما يتجرأ أحد يهنّيه، فسار حتى دخل على
ابنته خديجة، وكانت من خيار الناس، فقال لها: اليوم ذبح أبوك بغير سكين.
قلت: وصحبته للسلاطين..
فإن العالم لا يفسد إلا بصحبتهم.
قال: لقد سمعته مرات كثيرة
يقول: ما أقبح بالعالم أن يؤتى إلى مجلسه فلا يوجد فيه. فيسأل عنه، فيقال:هو عند
الأمير، هو عند الوزير، هو عند القاضي، فإن هذا وشبهه شرٌّ من علماء بني إسرائيل،
وبلغني إنهم يحدثونهم من الرخص ما يحبون، مما ليس عليه العمل، ويتركون ما عليه
العمل، وفيه النجاة، لهم، كراهة أن يشتغلوهم. ولعمري لو فعلوا ذلك لنجوا، ووجب