قال: أولهما أني دللتك على ثمرة المواعظ وغاياتها.. فالمواعظ
المثمرة هي التي تدلك على العمل الصالح، وتثير همتك إليه.. ولا يمكن أن يكون العمل
صالحا إلا إذا كان وفق ما يقتضيه العلم.. ولا يمكن أن تتعلم ما لم تسأل.
قلت: عرفت الأول.. وبورك فيك.. فما الثاني؟
قال: لقد شرفني الله، فصحبت بعض ورثة رسول الله (ص) في هذا الباب.. باب الفتيا.. وقد صار لي
فيه نوع من الفراسة.. وقد رأيت في وجهك ما أنبأني بحاجتك إلى حل بعض المعضلات،
وإزالة بعض المشكلات.. فتقدمت إليك بما تقدمت.
قلت: أصابت فراستك، ولم تخطئ.. فمن هذا الوارث الذي تنصحني
بأن أقصده لحل ما خطر على بالي..
قال: إنه حامل مشعل الهداية الذي يجيب عن كل سؤال، ويحل كل
إشكال، ويرفع كل معضلة، ويزيل كل مشكلة.
صحت: ذاك من أبحث عنه.. لقد أخبرني معلم الهداية أني لا أنال
الفم الثامن من أفواه الهداية إلا عند من ذكرت.
قال: فهيا بنا إليه إذن.. فقد قال رسول الله (ص):(الدال على الخير كفاعله)([448])
قلت: سأسير معك.. ولكني لن أسأله عن أي مسألة مما خطر على
بالي حتى أستوثق من كونه وارثا للنبي (ص) في هذا الباب.
قال: صدقت في هذا.. فما أكثر الأدعياء.. وقد قال رسول الله (ص):(إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه
من الناس، ولكن
[446] نشير به إلى القاضي الفقيه المالكي الكبير عبد السلام بن سعيد بن
حبيب، أبو سعيد التنوخي، الملقب بسحنون (160ـ 240هـ، 777 ـ 854م)، ولد بالقيروان
وأصله من الشام، قرأ على عبدالرحمن بن القاسم تلميذ الإمام مالك وغيره، انتهت إليه
رياسة العلم في المغرب، كان زاهدًا لا يهاب سلطانًا في الحق، وكان رفيع القدر
عفيفًا أبي النفس، ولي قضاء القيروان إلى أن مات، وكان يقول: قبح الله الفقر
أدركنا مالكًا وقرأنا على ابن القاسم. يريد أن الفقر منعه الرحلة إلى المدينة
ليأخذ عن الإمام مالك، حصل له من التلاميذ ما لم يحصل لأحد من أصحاب الإمام مالك،
وهو الذي نشر علم مالك بالمغرب. ومن أشهر آثاره كتاب المُدَوَّنة الذي صنفه في
مذهب الإمام مالك.. وقد اخترناه في هذا الفصل ممثلا للفقيه المفتي.
[447] نقل في المدارك عن بعض شيوخ إفريقية، أنه قال: سمي سحنون باسم
طائر حديد لحدّته في المسائل.