قال: بعد خروجي من المغرب الأقصى سرت قاصدا تونس، وبالضبط
إلى أعرق مدينة فيها مدينة القيروان..
بمجرد دخولي المدينة خطرت على بالي مسائل كثيرة من العلم،
ومعضلات كثيرة من الفقه، حاولت بما تعلمته من العلوم في المدارس المختلفة أن أجد
لها حلا، فلم أستطع، وكأنها كانت مشفرة بشيفرة دقيقة لا يمكن لأي قرصان في الدنيا
أن يجد لها حلا.
حاولت أن أصرف خواطرها عن ذهني، فلم تنصرف.. بل راحت تلح علي إلحاحا، وكأنها تطلب حلا عاجلا، أو
كأنها شعرت بأن في تلك المدينة من يفتح أبوابها، ويحل معضلاتها، فلذلك راحت
تطالبني بأن أبحث عنه.
بينما أنا كذلك إذا بي أرى رجلا.. كان أبسط الناس في مظهره.. يقترب
مني، ويقول: لقد قال رسول الله (ص):(شفاء
العي السؤال)([444]).. فابحث عن شفائك في السؤال،
فلا يتعلم إلا لسان سؤول.. وإياك من الكبر، فقد قال تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي
الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا
وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا
سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنَا
وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ (لأعراف:146)
قلت: من أنت؟.. وكيف بدا لك أن توجه لي هذه الموعظة؟
قال: أنا أخ من إخوانك.. وقد قال رسول الله (ص):(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب
لنفسه)([445])
قلت: بورك فيك، ويشرفني أن يؤاخيني رجل مثلك.. ولكني أسألك
عن سر توجيه هذه الموعظة بالذات لي.. لم لم تعظني بالتصدق مثلا.. أو بالصلاة.. أو
بغيرها.. فأمور الدين كثيرة لا يمكن حصرها.. فلم خصصت من بينها ما خصصت؟
قال: لسببين..
نظرت إليه، والابتسامة تملأ فمي، وأنا أقول: فما أولهما؟