لم أجد إلا أن ألبي أمر شيخي.. فسرت إلى الجنيد الذي كان
ينتظرني، وكأني معه على ميعاد، فما إن اقتربت منه حتى قال لي: هيا بنا إلى منزل
الشكر.. فلا سار من لم ينزل ذلك المنزل..
قلت: إن السائرين إذن قليل.. فقد قال الله تعالى:﴿ وَقَلِيلٌ
مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ (سـبأ: 13)؟
قال: الواصلون قليل.. أما السائرون.. فمنهم من يسير إلى
منازل الملك، ومنهم من يسقط في مهاوي الهلك.
قلت: فما العاصم الذي يعصمنا من الهلك؟
قال: من تمسك بالملك، وبمن يرسله الملك، فلم يخطو خطوة إلا
بحسب إشارته، وبعد إذنه وصل لا محالة إلى منازل الملك، ومن امتلأت نفسه بالأهواء،
فراح يعرض عن رسول الملك، فإنه لا محالة سيقع في مهاوي الهلك.
قلت: ذكرتني بالشهود العدول.. فحدثني عن الشهود العدول الذي
يشهدون لهذا المنزل.
قال: أما القرآن الكريم.. فقد تحدث عن الشكر آمرا وحاثا، كما
تحدث عنه مثنيا ومرغبا:
وأخبر تعالى أن الغرض من تصريف الآيات وبث النعم هو لفت
القلوب إلى شكر مولاها، فقال:﴿ وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ
بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً كَذَلِكَ نُصَرِّفُ
الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ (لأعراف:58)، وقال:﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ
قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ
فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ
تَشْكُرُونَ﴾ (لأنفال:26) وغيرها من الآيات الكريمة.
وقد أخبر الله تعالى أن هذا هو مقام أهل الله من أنبياء الله
ورسله وأوليائه، قال تعالى عن إبراهيم :﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي
زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ
أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ
لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (ابراهيم:37)
وقال عن يوسف u:﴿ وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ
وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا
يَشْكُرُونَ﴾ (يوسف:38)