ترك الكسب بالبدن وترك
التدبير بالقلب والسقوط على الأرض كالخرقة الملقاة، وكاللحم على الوضم، وهذا ظن
الجهال، فإن ذلك حرام في الشرع، والشرع قد أثنى على المتوكلين، فكيف ينال مقام من
مقامات الدين بمحظورات الدين؟)([395])
وقبله قال الحكيم الترمذى فيمن ترك الطلب والسعى، وتواكل
بحجة أن الرزق يطلب العبد كما يطلبه أجله:(إن كانوا قعدوا ينبغى لهم أن يقوموا وأن
يطلبوا، تحرزا من الطمع وفساد القلب، فلا يضيع حق الزوجة والولد، برغم أن أرزاقهم
على اللَّه، فهذا تارك للسبيل والسنة، لقوله تعالى:﴿ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ
رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ﴾ (البقرة: 233)([396])
وقبلهما قال سهل بن عبد اللَّه:(من طعن فى الحركة، فقد طعن
فى السنة، ومن طعن فى التوكل فقد طعن فى الإيمان، والتوكل حال النبى (ص)، والكسب سنته، فمن بقى على حاله فلا
يتركن سنته)([397])
قلت: إن ما ذكرته عن الغزالي وهؤلاء الأولياء الكبار عظيم،
وهو يفند كل شبهة في هذا الباب.. ولكني مع ذلك سمعت أن بعض من ينسب لأهل الله
يقعون في أعمال من ترك الأسباب، وهم يفسرون بها التوكل، ويسيئون إليه أعظم إساءة.
قال: ولذلك بنى أهل الله هذا المنزل، ليدخلوا المريدين فيه
إلى ممالك التوكل، ويحموهم من مهالكه.. وهذا الذي ذكرته من مهالكه.
لم أجد إلا أن أسرع إلى هذا المنزل المبارك، فأدخله، ويدخل
معي إليه شيخي فيه ومرشدي (الخواص)، وقد رأيته منزلا ممتلئا بالبركات، وفيه من
أنوار الإيمان واليقين، ومن حقائق السلام والسكينة ما لا يمكن للسان أن يعبر عنه.
مكثت مدة في منزل التوكل أتتلمذ على أهله، وأتدرب على
أيديهم، وأحصل من العلوم ما أحتاج إليه لتحقيقه، حتى سكنت إليه سكونا كليا، وقلت
في نفسي:(هذه هي داري التي كنت أبحث عنها، وفيها يطيب مقامي)
ما قلت ذلك في نفسي حتى جاءني أمر من شيخي (أبي مدين) يطلب
مني أن أذهب إلى صاحبي السادس (الجنيد)، لأترقى على يديه إلى مقام (الشكر)، وأنزل
منزله.