شيء، واليقين شيء آخر، فكم من
يقين لا طمأنينة معه كما قال تعالى لإبراهيم :﴿ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى
وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي ﴾ (البقرة: 260)، فالتمس أن يكون مشاهداً إحياء الميت
بعينه ليثبت في خياله، فإن النفس تتبع الخيال وتطمئن به ولا تطمئن باليقين في
ابتداء أمرها إلى أن تبلغ بالآخرة إلى درجة النفس المطمئنة؛ وذلك لا يكون في
البداية أصلاً، وكم من مطمئن لا يقين له.
قلت: علمت هذا، وأيقنت به.. فما درجات الناس فيه؟
قال: كثيرة.. لا يمكن حصرها.. ولكن مجامعها ثلاث:
أما الدرجة الأولى، فما وصفته لك من توكيل المخاصمين
للمحامين، وثقتهم فيهم، فيكون حاله في حق الله تعالى والثقة بكفالته وعنايته كحاله
في الثقة بالوكيل.
وأما الدرجة الثانية، وهي أقوى: فهي أن يكون حاله مع الله
تعالى كحال الطفل مع أمه، فإنه لا يعرف غيرها، ولا يفزع إلى أحد سواها، ولا يعتمد
إلا عليها.. فمن كان باله إلى الله عز وجل ونظره إليه واعتماده عليه كلف به كما
يكلف الصبي بأمه فيكون متوكلاً حقاً: فإن الطفل متوكل على أمه.
أما الدرجة الثالثة، وهي أعلى الدرجات، فهي أن يكون بين يدي
الله تعالى في حركاته وسكناته مثل الميت بين يدي الغاسل.. وهو الذي قوي يقينه بأن
الله تعالى هو مجري الحركة والقدرة والإرادة والعلم وسائر الصفات..
قلت: فما الفرق بين هذا والذي قبله؟
قال: فرق عظيم.. فالصبي يفزع إلى أمه ويصيح ويتعلق بذيلها
ويعدو خلفها، أما هذا، فهو مثل صبي علم أنه وإن لم يزعق بأمه، فالأم تطلبه، وأنه
وإن لم يتعلق بذيل أمه، فالأم تحمله، وإن لم يسألها اللبن فالأم تفاتحه وتسقيه.
قلت: إنك بهذا تعتبر نهاية التوكل تؤول إلى الذين انشغلوا
بالله عن الأسباب.. فراحوا يتركون الأسباب انشغالا بالله.
قال: أهل الله أعمق علما، وأحكم حكمة من أن يقعوا في مثل هذه
المهالك.. إن ما ذكرته لك أحوال إيمانية يمتلئ بها القلب.. أما الجوارح، فإنها لا
تترك ما أنيط بها من وظائف.. بل هي تؤديها عبودية خالصة لله.. وهي تعلم أن الله هو
الفاعل والمؤثر..
لقد قال الغزالي عند ذكره لأعمال المتوكلين:(اعلم أن
العلم يورث الحال، والحال يثمر الأعمال، وقد يظن أن معنى التوكل