فمن ادعى عليك دعوى باطلة، فوكلت من يكشف دعواه وبطلانها لم تكن
متوكلاً عليه ولا واثقاً به ولا مطمئن النفس بتوكيله إلا إذا اعتقدت فيه أربعة
أمور: منتهى الهداية، ومنتهى القوة، ومنتهى الفصاحة، ومنتهى الشفقة.
أما الهداية، فليعرف بها مواقع التلبيس حتى لا يخفى عليه من
غوامض الحيل شيء أصلاً.
وأما القدرة والقوة، فليستجرئ على التصريح بالحق، فلا يداهن
ولا يخاف ولا يستحي ولا يجبن، فإنه ربما يطلع على وجه تلبيس خصمه فيمنعه الخوف أو
الجبن أو الحياء أو صارف آخر من الصوارف المضعفة للقلب عن التصريح به.
وأما الفصاحة، فهي ـ أيضاً ـ من القدرة في اللسان على
الإفصاح عن كل ما استجرأ القلب عليه وأشار إليه: فلا كل عالم بمواقع التلبيس قادر
بذلاقة لسانه على حل عقدة التلبيس.
وأما منتهى الشفقة، فيكون باعثاً له على بذل كل ما يقدر عليه
في حقه من المجهود، فإن قدرته لا تغني دون العناية به إذا كان لا يهمه أمره ولا
يبالي به ظفر خصمه أو لم يظفر هلك به حقه أو لم يهلك.
قلت: هذا مثال جيد.. وهو أيسر فهما على قومي، فهم كثيرا ما
يحتاجون إلى توكيل المحامين.. وهم لا يطلبون منهم إلا من تحققت له الكمالات التي
تهيئه لهذه الوظيفة.. وهم في أحيان كثيرة يقتنعون بدون ما ذكرت بكثير.
قال: إذا عرفت هذا، فقس عليه التوكل على الله تعالى، فإن
ثبت في نفسك اعتقاد جازم أنه لا فاعل إلا الله ـ كما علمت في الركن الأول من أركان
التوكل ـ واعتقدت ـ مع ذلك ـ تمام العلم والقدرة على كفاية العباد، ثم تمام
العناية والعطف والرحمة بجملة العباد والآحاد، وأنه ليس وراء منتهى قدرته قدرة،
ولا وراء منتهى علمه علم، ولا وراء منتهى عنايته بك ورحمته لك عناية ورحمة، اتكل
لا محالة قلبك عليه وحده، ولم يلتفت إلى غيره بوجه ولا إلى نفسه وحوله وقوته،
فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
قلت: ما بال الناس.. كلهم يعتقدون ما ذكرت.. ولكنهم لا يجدون
ما تذكر من أحوال؟
قال: ذلك يعود إلى أحد أمرين: إما ضعف اليقين بإحدى هذه
الخصال الأربعة، وإما ضعف القلب ومرضه باستيلاء الجبن عليه وانزعاجه بسبب الأوهام
الغالبة عليه، فإن القلب قد ينزعج تبعاً للوهم وطاعة له عن غير نقصان في اليقين،
فإن من يتناول عسلاً، فشبه بين يديه بنجاسة ربما نفر طبعه وتعذر عليه تناوله مع
كونه عسلا.
ولهذا، فإن التوكل لا يتم إلا بقوة القلب، وقوة اليقين
جميعاً، إذ بهما يحصل سكون القلب وطمأنينته، فالسكون في القلب