قلت:
لم أفهم الإذن.. الدعوة إلى الله واجب مطلقا.. فكيف تحتاج إلى إذن؟
قال أحدهم: ألم تسمع قوله
تعالى في وصف رسول الله (ص):﴿ وَدَاعِياً
إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُنِيرا﴾ (الأحزاب:46)؟
قلت: بلى..
قال: فهذه مرتبة من مراتب
الدعوة إلى الله.. وهي أشرف المراتب وأعلاها.. ومن تحققت له، فقد ظفر بالإكسير
الأحمر الذي يحول به معادن من يصلحهم إلى جواهر كريمة لا تستطيع جميع أدناس الدنيا
أن تنجسها.
قلت: لقد سمعت في فترة من
فترات عمري بعض من يدعي هذا.. لكني صرفت عنه، وأنا أمتلئ ضحكا.. لقد رأيته ينصب
الفاعل، ويرفع المفعول.. فقلت في نفسي: إن من لم يؤتمن على الفاعل والمفعول كيف
يؤتمن على دين الله وعلى ما يدعيه.
قال أحدهم: العبرة عند أهل
الله بالمعاني لا بالأواني..
قال آخر: لقد ذكرتني ببعض
النحويين دخل مجلس الحسن بن سمعون ليسمع كلامه، فوجده يلحن، فانصرف ذاما له، فبلغ
ذلك الحسن، فكتب يقول له:(إنك من كثرة الإعجاب رضيت بالوقوف دون الباب، فاعتمدت
على ضبط أقوالك مع لحن أفعالك، وإنك قد تهت بين خفض ورفع ونصب وجزم، فانقطعت عن
المقصود، هلا رفعت إلى الله جميع الحاجات، وخفضت كل المنكرات، وجزمت عن الشهوات،
ونصبت بين عينيك الممات.. والله يا أخي ما يقال للعبد لم لم تكن معرباً؟ وإنما
يقال له: لم كنت مذنباً.. ليس المراد فصاحة المقال، وإنما المراد فصاحة الفعال،
ولو كان الفضل في فصاحة اللسان لكان سيدنا هارون أولى بالرسالة من سيدنا موسى حيث
يقول:﴿ وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ
رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ﴾ (القصص:34)
قلت: صحيح ما ذكرتموه..
ولكني مع ذلك أرى من يستغرق في عالم نفسه، فهو لا يخرج من خلوة حتى يدخل خلوة..
وليس له مع كل ذلك أي همة لإصلاح الأمة، ولا لتوجيهها.
نظر إلي أبو مدين بابتسامة، وكأنه أراد أن
يقطع ذلك الحديث الذي كاد يتحول إلى جدل، وقال: كيف تركت إخواني من الشناقطة؟