الحلقة النورانية، فأشدو
بما تشدوا، وأترنم بما تترنم؟
بعد أن انتهى الإنشاد، وعادت إلي نفسي، وعدت
إلى الأرض، نظرت فيمن حولي، فوجدت سبعة كالكواكب يتوسطهم شمس رنت إليه أحداقهم،
وهوت إلى كعبته قلوبهم.
نظر إلي أحدهم، وقال: أبشر.. فأنت الآن بين
يدي سيدي أبي مدين..
قلت: أتقصد ضريح أبي مدين؟
قال: لا.. أقصد وارث أبي مدين.. فهذه الشمس
التي تراها أمامك هي شمسه.. فإن شئت أن تنعم بدفئها، ونورها، فعليك بصحبتها، فلا
يمكن للكواكب أن تستنير بنور الشمس إلا إذا طافت بها، ولم تر غيرها.
قلت: لكن لي شمسي التي بها أطوف.. إن شمسي
هو محمد رسول الله.. وأنا أستغني بشمسه عن كل شمس، وبأشعة نوره عن كل أشعة.
قال: كلنا نستمد من تلك الشمس.. ولكنا نحتاج إلى الورثة الذين نتعلم
على أيديهم كيف نتأدب مع تلك الشمس التي لا يستفيد منها إلا من تأدب معها.. لقد
كان سيدي أبو علي يقول:(من أساء الأدب على البساط رد إلى الباب، ومن أساء الأدب
على الباب رد إلى سياسة الدواب)
قلت: أنا أبحث عن ورثة الهداية الذين
ينشغلون بإصلاح الخلق.. ولو انشغلت بإصلاح نفسي لحاسبني ربي على تضييع أمة نبيه.
قال: وهل يمكن لأحد أن يصلح قبل أن يصلح؟..
إن كلمة واحدة من قلب ممتلئ بالأنوار لها من التأثير ما لا يعدله آلاف الخطب،
وآلاف آلاف المواعظ.. لقد قال سيدي أبو العباس المرسي:(كلام المأذون له يخرج وعليه
كسوة وطلاوة، وكلام الذي لم يؤذن له يخرج مكسوف الأنوار، حتى إن الرجلين ليتكلمان
بالحقيقة الواحدة، فتقبل من أحدهما، وترد على الآخر)
وعبر عن ذلك سيدي ابن عطاء الله في بعض
حكمه، فقال:(كل كلام يبرز، وعليه كسوة القلب الذي منه برز)
قال آخر: لقد اتفق
العارفون على أن الكلام إذا خرج من القلب وقع في القلب، وإذا خرج من اللسان لم
يتجاوز الآذان.. واتفقوا على أن إنهاض الحال أكثر من إنهاض المقال.. وإذا اجتمع الحال
والمقال فهو البحر الطام والنجم الثاقب التام.