إلا العبيد، فلما جاء القرآن الكريم أخبر
أن هذه الصناعات كان يمارسها الأنبياء ـ عليهم السلام ـ ليعلي من شأنها، ويرفع ذلك
الاحتقار الذي ورثه هؤلاء عن أولئك.
قلت: صدقت.. فقد ذكر القرآن الكريم
صناعة الحديد، ونوه بها، وذكر اشتغال الأنبياء والصالحين بها، فقال تعالى:﴿ آتُونِي زُبَرَ
الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى
إِذَا جَعَلَهُ نَاراً قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا﴾ (الكهف:96)، وقال تعالى:﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا
دَاوُدَ مِنَّا فَضْلاً يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ
الْحَدِيدَ﴾ (سـبأ:10)، بل قرن بإنزال الحديد إنزال
الكتاب، فقالتعالى:﴿ لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ
وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ
قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (الحديد:25)
قال: ومثل ذلك ذكر الصناعات النسيجية
وأنواعها وأغرضاها، فقال تعالى:﴿ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَناً
وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ
ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا
وَأَشْعَارِهَا أَثَاثاً وَمَتَاعاً إِلَى حِينٍ﴾ (النحل:80)
وذكر ما يرتبط بالعمران من أعمال،
فقال تعالى:﴿ وَبَوَّأَكُمْ فِي
الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُوراً وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ
بُيُوتاً فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ (لأعراف: 74)
وذكر الصناعات المرتبطة بالنقل، فقال
تعالى:﴿ وَالْخَيْلَ
وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لا
تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:8)، وقال تعالى:﴿ وَاصْنَعِ الْفُلْكَ
بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ
مُغْرَقُونَ﴾ (هود:37)، وقال تعالى:﴿ وَعَلَيْهَا وَعَلَى
الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ﴾ (المؤمنون:22)
بل إن القرآن الكريم دعانا إلى بذل
كل الجهود لتحصيل جميع أنواع القوى، ويدخل فيها هذا النوع من أنواع القوى، قوة
الصناعة والسياسة، فقال تعالى:﴿ وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ
وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (لأنفال: 60)
***
التفت صاحبي إلى، وقال: هذه بعض
حكايتي مع ورثة النبي المعلم.
قلت: إن هؤلاء ورثة عظماء.
قال: ولم يكونوا عظماء لولا استنانهم بسنة نبيهم a.. لقد كان رسول الله a هو معلمهم ومؤدبهم وحادي أرواحهم،