قال: إن من يفعل هذا يطلب ـ من حيث لا يشعر ـ عصمة معلمه،
وذلك مما لا يكون إلا فيمن عصمهم الله، ونصت النصوص على عصمتهم، أما من عداهم، فهم
عرضة للخطأ، ولا ينبغي لمن هو عرضة للخطأ أن نكلفه بالعصمة.
قال بعض الطلبة: لقد ذكرني حديثكم هذا برجل سمعته يناظر في
مجلس حافل، وقد استدل عليه مخالفه بدلالة صحيحة، فكان جوابه عنها أن قال:(إن هذه
دلالة فاسدة، وجه فسادها أن شيخي لم يذكرها، وما لم يذكره الشيخ لا خير فيه)،
فأمسك عنه المستدل تعجبا ؛ ولأن شيخه كان محتشما.
قال الشنقيطي: لا تحسبن هذا محدودا فيمن رأيت.. فما أكثر من
يلبس لباس العلم ظاهرا، بينما هو ـ في حقيقته ـ مقلد بشع التقليد، لا يتعصب إلا
لمن ولاهم أمره، فهو يقبل على قوم إقبالا تاما، كان حقا ما جاءوا به أو باطلا،
ويدبر عن قوم من المسلمين غيرهم، أو عن أقوام، كان حقا ما جاءوا به أو باطلا.
قال بعض الطلبة: لقد تصرفت مع هؤلاء تصرفا لست أدري مدى
صوابه.
قال الشنقيطي: فما فعلت؟
قال: لقد رأيته يبغض الغزالي بغضا تاما، ويقبل على فلان
الفلاني إقبالا تاما.. فكنت أبدل الأسماء في نقولي، فأضع مقولات الغزالي باسم من
أحبه، فكانت تعجبه، وكان يثني عليها أتم الثناء.. وكنت أضع مقولات من أحبه باسم
الغزالي، فكان ينكر عليها إنكارا شديدا، ويستعمل النصوص المقدسة في الإنكار عليه.
قال الشنقيطي: لقد ذكرتني بحادثة وقعت في عهد رسول الله (ص).. فقد ورد في قصة عبد الله بن سلام أنه
بعد أن أسلم رجع إلى أهل بيته فأمرهم فأسلموا وكتم إسلامه، ثم خرج إلى رسول الله (ص) فقال: (يا رسول الله، إن اليهود قد علمت
أني سيدهم وابن سيدهم، وأعلمهم وابن أعلمهم، وأنهم قوم بهت، وأنهم إن يعلموا
بإسلامي قبل أن تسألهم عني بهتوني، وقالوا في ما ليس في، فأحب أن تدخلني بعض
بيوتك)
فأدخله رسول الله بعض بيوته، وأرسل إلى اليهود فدخلوا عليه
فقال: يا معشر يهود، يا ويلكم اتقوا الله، فوالله الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون
أني رسول الله قد جئتكم بالحق فأسلموا)، فقالوا: ما نعلمه، فقال: (أي رجل فيكم
الحصين بن سلام؟)، قالوا: خيرنا وابن خيرنا وسيدنا وابن سيدنا وأعلمنا وابن
أعلمنا، فقال: (أرأيتم إن أسلم)، قالوا: أعاذه الله من ذلك، فقال: (يا ابن سلام
اخرج إليهم)
فخرج عبد الله فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأشهد أن محمد
رسول الله، يا معشر يهود اتقوا الله واقبلوا ما جاءكم به، فوالله