وبين أهل العلم، وكأنها تقول
لطالب العلم: إن أردت أن تصير من أهله، فاشحذ ذاكرتك، ووسع صدرك ليصبح مخزنا
للعلوم.
قلت: هذا في القرآن.. فهل ورد في السنة ما يدل عليه؟
قال: السنة تمتلئ بذلك.. فالرسول (ص) ـ تشجيعا على الحفظ ـ يقدم حافظ القرآن
على غيره في الإمامة وغيرها، فقد قال رسول الله (ص):(يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن
كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء، فأقدمهم هجرة،
فإن كانوا في الهجرة سواء، فأقدمهم سلما([264])، ولا يؤمن الرجل الرجل في
سلطانه، ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه)([265])
وعن جابر بن عبد الله أن النبي (ص) كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد، ثم
يقول: أيهما اكثر أخذا للقرآن؟ فإن أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد([266]).
قلت: هذا في حفظ القرآن الكريم.. فهل ورد في النصوص ما يدل
على حفظ غيره؟
قال: كل ما ذكر في حفظ القرآن يدل على حفظ غيره، فلا يمكن أن
يصير العالم عالما، وهو ناس لما تعلمه.
عن حذيفة قال: قام فينا رسول الله (ص) مقاما ما ترك شيئا، يكون في مقامه ذلك
إلى قيام الساعة إلا حدث به، حفظه من حفظه، ونسيه من نسيه، قد علمه أصحابي هؤلاء،
وإنه ليكون منه الشيء قد نسيته فأراه فأذكره كما يذكر الرجل وجه الرجل إذا غاب
عنه، ثم إذا رآه عرفه)([267])
قلت: كل ما ذكرته لا يمكن لأحد أن يجادل فيه.. لكني أرى
البعض يتهمون من يحفظ.. ويعتبرونه مجرد وعاء.. وأن الكامل من يفهم، لا من يحفظ.
قال: والأكمل من يجمع بينهما، فيحفظ، ويفهم.. بل إنه لا يعين
على الفهم شيء كما يعين عليه الحفظ.. فالحافظ الذي يردد بلسانه ما يحفظه لا محالة
سيردده في عقله وقلبه، فيفهمه ويستوعبه، فيجمع بين الحسنيين.