وكان بعضهم إذا دخل الحمام يجعل من خارجه قارئاً يقرأ عليه.
قلت: فما الثاني؟
قال: أن يقطع طالب العلم ما يقدر على قطعه من العلائق
الشاغلة والعوائق المانعة عن تمام الطلب وبذل الاجتهاد وقوة الجد في التحصيل،
فإنها كقواطع الطريق، ولذلك استحب الورثة التغرب عن الأهل والبعد عن الوطن
تقليلاً للشواغل، لأن الفكرة إذا توزعت قصرت عن درك الحقائق، وما جعل الله لرجل
من قلبين في جوفه، ولذلك يقال:(العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك)
قلت: فما الثالث؟
قال: أن يقنع من القوت بما تيسر، وإن كان يسيراً، ومن اللباس
بما ستر مثله، وإن كان خلقاً.. فبالصبر على ضيق العيش، ينال سعة العلم، ويجمع شمل
القلب عن متفرقات الآمال، فتفجر فيه ينابيع الحكم.
قلت: فما الرابع؟
قال: أن يقسم أوقات ليله ونهاره، ويغتنم ما بقي من عمره، فإن
بقية العمر لا قيمة لها، وأجود الأوقات للحفظ الأسحار، وللبحث الأبكار، وللكتابة
وسط النهار، وللمطالعة والمذاكرة الليل، وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار، ووقت
الجوع أنفع من وقت الشبع، وأجود الأماكن للحفظ كل مكان بعيد عن الملهيات،
كالنبات، والخضرة، والأنهار، وقوارع الطرق، وضجيج الأصوات، لأنها تمنع من خلو
القلب غالباً.
قلت: فما الخامس؟
قال: أكل القدر اليسير من الحلال، لأن كثرة الأكل جالبة
لكثرة الشرب، وكثرته جالبة للنوم والبلادة، وقصور الذهن، وفتور الحواس، وكسل
الجسم.
والأولى أن يكون أكثر ما يؤخذ من الطعام ما ورد في الحديث
عن النبي (ص) قال:(ما ملأ ابن آدم وعاء
شراً من بطن، حسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة فثلث لطعامه، وثلث
لشرابه، وثلث لنفسه)([260])، فإن زاد فهو إسراف، وقد قال
تعالى: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا
وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ﴾ (لأعراف:31)