وبمثل هذا وردت الأسانيد،
فعن ابن عباس قال: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه، فأنزل
الله عز وجل:﴿ لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا
جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ ﴾ أي جمعه في صدرك، ثم تقرأه، ﴿ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ
فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ﴾ فاستمع له وأنصت، ﴿ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ فكان
بعد ذلك إذا انطلق جبريل قرأه كما أقرأه([257]).
قلت: ولكن الله طمأن نبيه (ص) إلى أنه لن ينسى حرفا مما قرأه، فقال مبشرا نبيه :
﴿ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ (الأعلى:6)
قال: ولكن الله تعالى لم
يبشرنا بما بشر به نبيه (ص).. فلذلك لا ينبغي
أن يفتر طالب العلم لحظة عن علمه.. لقد أشار رسول الله (ص) إلى ذلك، فقال:(إن مثل صاحب القرآن كمثل صاحب
الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت)([258])، وفي
حديث آخر قال (ص):(تعاهدوا القرآن، فوالذى
نفسي بيده لهو أشد تفصيا من قلوب الرجال من الإبل من عقلها)([259])
قلت: فما الذي يعيننا على تحقيق هذا؟
قال: سبعة أمور إن فعلتموها يسر الله لكم ذلك.
قلت: فما أولها؟
قال: أن يبادر طالب العلم شبابه وأوقات عمره فيصرفها إلى
التحصيل، ولا يغتر بخدع التسويف والتأمل، فإن كل ساعة تمضي من عمره لا بدل لها
ولا عوض عنها.
لقد حكى عن ثعلب: أنه كان لا يفارفه كتاب يدرسه، فإذا دعاه
رجل إلى دعوة شرط عليه أن يوسع له مقدار سورة يضع فيها كتاب ويقرأ.
وكان أبو بكر الخياط النحوي يدرس جميع أوقاته حتى في الطريق،
وكان ربما سقط في جرف أو خبطته دابة.