قال: هناك زلة أخطر وأعمق.. إن الناس لا يسمعون بقدر ما يرون..
فلذلك تجدهم يتأثرون بسلوك العالم أكثر من تأثرهم بكلماته.. ومثل هذا العالم لن
ينتج إلا المنحرفين.
وهناك صنف أخطر وأعظم يحول من العالم المنحرف معولا يهدم به
الحقائق.
قلت: كيف ذلك؟
قال: ألا ترى كيف تنهار الأحزاب الكبرى نتيجة للفضائح التي
يقع فيها رؤساؤها؟
قلت: ذلك صحيح.
قال: فالعالم ـ في أذهان الناس ـ ممثل للدين وللقيم، فإذا انحرف
كان ذلك فرصة لمن يريد ضرب الدين أو تشويهه.
قال بعض الطلبة: لقد روي في هذا أن رجلا قال لابن عباس :
أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال:(إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات
الثلاث فافعل، وإلا فابدأ بنفسك، ثم تلا:﴿ أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ
أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ (البقرة:44)،
وقال تعالى:﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا
تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا
تَفْعَلُونَ (3)﴾ (الصف)، وقوله تعالى حكاية عن شعيب :﴿ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ
إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ (هود: 88)
قال بعض الطلبة: وعينا ـ يا شيخنا ـ كل ما ذكرته من ضرورة
مزج العلم بالعمل، وقد ملأتنا شوقا إلى العمل، كما ملأتنا رهبة من تركه.. فما الذي
ييسر علينا العمل الذي يجعلنا نتحقق بالعبودية؟
قال: ستدرسون هنا عشرة علوم.. كلها علوم عمل.. ولن تخرجوا من
هذا القسم حتى تتقنوها جميعا.
قلت: فما أولها؟
قال: أن يشغلكم علم العمل عن علم الجدل .. لقد ضرب الغزالي
لذلك مثالا، فقال:(فمثال من يعرض عن علم الأعمال، ويشتغل بالجدال مثل رجل مريض به
علل كثيرة، وقد صادف طبيباً حاذقاً في وقت ضيق يخشى فواته، فاشتغل بالسؤال عن
خاصية العقاقير والأدوية وغرائب الطب، وترك مهمه الذي هو مؤاخذ به، وذلك محض
السفه)([251])
وفي هذا روي أن رجلاً جاء رسول الله (ص) فقال: علمني من غرائب العلم، فقال له:
ما صنعت في رأس العلم؟ فقال: وما