فاما
أن تبلغهن وإما أن أبلغهن ! فقال له: يا روح الله ! إني أخشى أن سبقتني أو أن
أعذب أو يخسف بي!
فجمع يحيى بني إسرائيل في بيت المقدس حتى
امتلأ المسجد فقعد على الشرفات، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله تعالى
أمرني بخمس كلمات أن أعمل بهن وآمركم أن تعملوا بهن، وأولهن: أن تعبدوا الله ولا
تشركوا به شيئا، فان مثل من أشرك بالله كمثل رجل اشترى عبدا من خالص ماله بذهب أو
ورق ثم أسكنه دارا فقال: اعمل وارفع إلي ! فجعل العبد يعمل ويرفع إلى غير سيده،
فأيكم يرضى أن يكون عبده كذلك ! وإن الله خلقكم ورزقكم فاعبدوه ولا تشركوا به
شيئا، وأمركم بالصلاة، وإذا قمتم إلى الصلاة فلا تلتفتوا فان الله عزوجل يقبل
بوجهه إلى عبده ما لم يلتفت، وأمركم بالصيام، ومثل ذلك كمثل رجل معه صرة مسك في
عصابة كلهم يجد ريح المسك، وإن خلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك،
وأمركم بالصدقة، ومثل ذلك كمثل رجل أسره العدو فشدوا يديه إلى عنقه وقدموه
ليضربوا عنقه فقال لهم: هل لكم أن أفتدي نفسي منكم ! فجعل يفتدي نفسه منهم
بالقليل والكثير حتى فك نفسه، وأمركم بذكر الله كثيرا، ومثل ذلك كمثل رجل طلبه
العدو سراعا في اثره فأتى حصنا حصينا فأحرز نفسه فيه، وإن العبد أحصين ما يكون من
الشيطان إذا ان في ذكر الله تعالى وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: الجماعة
والسمع والطاعة، والهجرة، والجهاد في سبيل الله، فانه من فارق الجماعة قيد شبر
فقد خلق ربقة الاسلام من عنقه إلا أن يراجع، ومن دعا بدعوى الجاهلية فهو من جثى
جهنم وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم، فادعو بدعوى الله الذي سماكم المسلمين
والمؤمنين عباد الله)([142])
ومن ذلك قوله (ص):(ضرب الله مثلاً صراطاً مستقيماً، وعلى جنبتي
الصراط سوران فيهما أبواب مفتحة، وعلى الأبواب ستور مرخاة، وعلى باب الصراط داع
يقول: يا أيها الناس ادخلوا الصراط جميعاً ولا تتفرجوا، وداع يدعو من جوف الصراط،
فإذا أراد أن يفتح شيئاً من تلك الأبواب، قال: ويحك لا تفتحه فإنك إن فتحته تلجه،
والصراط: الإسلام، والسوران: حدود الله تعالى، والأبواب المفتحة: محارم الله
تعالى، وذلك الداعي على رأس الصراط كتاب الله تعالى، والداعي فوق الصراط:واعظ الله
في قلب كل مسلم)([143])
وقد كان (ص) يربط الأمثلة أحيانا بأمور حسية ليبقى أثرها في
نفس المتلقي، ومن ذلك ما جاء في الحديث أن النبي (ص) أخذ
[142] رواه أحمد والترمذي وابن حبان والحاكم والبخاري في التاريخ عن الحارث بن
الحارث الاشعري.