قال:
يوسف وموسى وعيسى ومحمد ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وغيرهم من الأنبياء والرسل وجهات
لعملة واحدة، ومظاهر لشخص واحد هو عبد الله وخليفة الله والإنسان الكامل ومراد
الله من خلقه.. فلذلك إن حدثتك عن يوسف، فقد حدثتك عن محمد، وإن حدثتك عن محمد فقد
حدثتك عن يوسف.
ما
قال ذلك حتى التف بنا جمع من المساجين من الذين سجنوا بأسباب جرائم وقعوا فيها، لا
بأسباب سياسية، فتركني، والتفت إليهم، وقال ـ والابتسامة تملأ أسارير وجهه([575]) ـ:
إخوتي المسجونين الاعزاء الجدد والقدامى!
لقد
بت على قناعة تامة من أن العناية الإلهية هي التي ألقت بنا إلى ههنا، وذلك لأجلكم
أنتم، أي أن مجيئنا إلى هنا إنما هو لبث السلوان والعزاء الذي تحمله رسائل النور إليكم..
وتخفيف مضايقات السجن عنكم بحقائق الإيمان.. وصونكم من كثير من بلايا الدنيا
ولأوائها.. وانتشال حياتكم المليئة بالأحزان والهموم من العبثية وعدم الجدوى..
وانقاذ آخرتكم من أن تكون كدنياكم حزينة باكية.
فما
دامت الحقيقة هي هذه، فعليكم أن تكونوا إخوة متحابين كطلاب النور وكأولئك الذين
كانوا معنا في سجن (دنيزلي)
فها
أنتم أولاء ترون الحراس الذين يحرصون على القيام بخدماتكم يعانون الكثير من
المشقات في التفتيش، بل حتى أنهم يفتشون طعامكم لئلا تكون فيه آلة جارحة، ليحولوا
دون تجاوز بعضكم على بعض، وكأنكم وحوش مفترسة ينقضُّ الواحد على الآخر ليقتله،
فضلاً عن أنكم لا تستمتعون بالفرص التي تتاح لكم للتفسح والراحة خوفاً من نشوب
العراك فيما بينكم.
ألا
فقولوا مع هؤلاء الإخوة حديثي العهد بالسجن الذين يحملون مثلكم بطولة فطرية وشهامة
وغيرة.
قولوا
أمام الهيئة ببطولة معنوية عظيمة في هذا الوقت: (ليست الآلات الجارحة البسيطة، بل
لو سلمتم الى أيدينا أسلحة نارية فلا نتعدى على أصدقائنا وأحبابنا هؤلاء الذين
نكبوا معنا، حتى لو كان بيننا عداء أصيل سابق. فقد عفونا عنهم جميعاً، وسنبذل ما
في وسعنا ألاّ نجرح شعورهم ونكسر خاطرهم، هذا هو قرارنا الذي اتخذناه بإرشاد
القرآن الكريم وبأمر إخوة الإسلام وبمقتضى مصلحتنا جميعاً)
[575] النص المذكور هنا منقول من (الكلمة الثالثة عشرة) من
رسائل النور.