لقد
كان في قدرة الله أن ينصر رسله بمعجزة تقطع دابر المعتدين، ولكن الله أبى أن ينصر
دينه إلا بذلك الجهد، وتلك الهمم العالية التي لا تبالي ـ في سبيل الله ـ ما
يصيبها من ضيق وضنك وألم.
لقد
قال الله تعالى على ألسنة رسله مخاطبين أقوامهم:﴿ وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا
آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ ﴾
(إبراهيم:12)
أما
محمد (ص).. قدوتنا الأكبر، وأسوتنا الأعظم، فأنتم تعلمون
ما حصل له.. لقد أُخرج من داره من مكة، ورجم بالحجارة في الطائف حتى سال دمه،
وهاجر إلى المدينة فارًا بدعوته، وجاهد حتى كسرت رباعيته، وشج وجهه، وكان يؤذى في
صلاته، وهو بمكة قبل الهجرة، ويوضع السلى على ظهره أثناء ركوعه وسجوده، وما زاده
ذلك إلا إصرارًا وعزمًا وثباتًا وصبرًا.
ثم
نظر إلى السماء، وقال: لقد أنزل على رسول الله (ص) في
تلك المواقف الشديدة آيات كثيرة لا تدعوه إلا إلى الثبات والصبر.. فبهما وحدهما
يتحقق التمكين..
في
بعض تلك المواقف الشديدة جاءه خباب بن الأرت فقال: شكونا إلى رسول الله (ص)
وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: (قد
كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار فيوضع على
رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط من حديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن دينه،
والله ليتمنَّ الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا
الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون)([573])
سكت
قليلا، ثم قال: لاشك أنكم ما اخترتم هذا السبيل إلا لأنكم تطلبون المنزلة الرفيعة
عند الله..
قال
رجل منهم: أجل.. ولو علمنا أن هناك ما هو أفضل من السبيل لبادرنا إليه.
قال
بديع الزمان: فهذا السبيل العظيم ممتلئ بأنواع البلاء.. لقد قال رسول الله (ص)
يصفه: (إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحبَّ قومًا ابتلاهم،
فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)([574])
ولذلك
يحتاج منكم إلى صبر عظيم، وصدق عظيم، وهمة عظيمة.. لقد قال الله تعالى يصف هذا
النوع من الصادقين:﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ
عَلَيْهِ