قال: والثانية؟
قلت: بالدعوة إلى الله.
قال: فلا تصلح الثانية إلا بالأولى.. ولا تكمل الأولى إلا بالثانية.
قلت: فحدثني عن قيام محمد بما أمر به في الأولى.
قال: لقد حدثك زين العابدين.. فإن نسيت فارجع إليه يذكرك([572]).
الهمة
قال رجل منا مخاطبا الوارث: لقد عرفنا ـ حتى الآن ـ ثنتين، فحدثنا عن الثالثة.
قال: الثالثة هي (الهمة).. فبالهمم يتفاضل الرجال.. وبالهمم تتحقق المطالب.. وبالهمم تطرق أبواب المستحيلات، فتفتح.
قلت: فهل تحقق ذلك في بديع الزمان، وفي تلاميذه؟
قال: أجل .. لقد كانوا كالجبال الرواسي تحمل كل أنواع العناء والمكابدات في سبيل تحقيق الرسالة التي نذرت نفسها لها.
قلت: فحدثني عما رأيت..
قال: لا يمكنني أن أحدثكم عن كل ما رأيت.. ولكني سأقتصر على ماله علاقة بالمعلم الأول الذي تعلموا منه جميع دروس الهمم.
ذات مرة دخلت عليه.. وكان معه جماعة من أصحابه ممن تركوا الجاه العريض، والثروات الضخمة، والحياة الرغدة، ولجأوا معه إلى ذلك المحل من جبال بارلا الشامخة.
جلست في الحلقة، فسمعته يقرأ قوله تعالى:﴿ الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ (العنكبوت:1- 3).. ثم يقرأ قوله تعالى:﴿ فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾ (الأحقاف: 35)
ثم يقول: يا أصحابي.. هذه سنة الأنبياء.. وهذه سنة ورثة الأنبياء.. إن الله تعالى أعد لهم المقامات العالية الرفيعة، وهم لن يثبتوا جدارتهم بها ولها إلا إذا ثبتوا في وجه
[572] انظر: فصل (العابد) من هذه الرسالة.