وما
ذكره الغزالي هو ما ورد التصريح به في الأحاديث الكثيرة، فالنبي
يقول: (من تعلم علما مما يبتغى به وجه الله عز وجل لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من
الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة)([515])
ويقول:
(من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء أو يصرف به وجوه الناس
إليه فهو في النار)([516])
ويقول
متحدثا عن أخبار الأنبياء قبله (ص): (أنزل الله في بعض
كتابه وأوحى إلى بعض أنبيائه: قل للذين يتفقهون بغير الدين ويتعلمون لغير العلم
ويطلبون الدنيا بعمل الآخرة ويلبسون لباس مسوك([517])
الكباش وقلوبهم قلوب الذئاب ألسنتهم أحلى من العسل وقلوبهم أمر من الصبر، إياي
يخدعون أو بي يستهزؤون فبي حلفت لأتيحن لهم فتنة تذر الحليم فيهم حيران)([518])
انظر
إلى هذه الوصية.. وانظر إلى عظمها.. ألم تر أن العلم لما نزل لخدمة المستبدين راح
يخترع لهم من صنوف الدمار ما يتناسب مع نوازع الإجرام التي امتلأوا به، وصاروا لا
يتصرفون إلا بمقتضاها؟
ولما
نزل إلى خدمة التجار.. صار يخترع لهم السموم ليسقوها زبائنهم..
قلت:
صدقت في كل ما ذكرت.. ولكني لم أفهم شيئا واحدا.
قال:
فهمت ما توقفت فيه.. فقد توقفت فيه مثلك في يوم من الأيام.. إن الدنيا التي حذر
منها أهل الله من ورثة النبي (ص) لا تعني ما تقصده..
فالله أمرنا بعمارة الأرض، وحثنا على استعمال الأسباب من أجل ذلك..
لقد
قص علينا القرآن الكريم قصة ذي القرنين الذي مارس كل الأساليب ليحقق الرفاه والأمن
لمن ولي شأنهم.. لقد ذكر الله أنه اتبع الأسباب.. وما الأسباب إلا ما توفره العلوم
من حقائق تستغل في التقنيات المختلفة..
بل
إن الله تعالى ذكر بعض تلك التقنيات، فقال:﴿ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى
إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَاراً
قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرا﴾ (الكهف:96)
ومثل
ذلك ذكر تقنيات الزراعة الناجحة المرتبطة بالبيئات الجافة([519])،
فقال تعالى:﴿
[515] ) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والحاكم وابن ماجة
عن أبي هريرة.
[516] ) رواه الطبراني في الأوسط وابن أبي العاص،
والدارقطني في الأفراد، وسعيد بن منصور.
[517] ) مسوك: المسك: الجلد، والجمع مسوك مثل فلس وفلوس.
[518] ) أبو سعيد النقاش في معجمه، وابن النجار - عن أبي
الدرداء.
[519] انظر التفاصيل المرتبطة بهذا في رسالة (معجزات
علمية) من هذه السلسلة.