ولهذا،
فإن أول ما يبدأ به المتعلم في الإسلام هو غرس الإيمان في قلبه، وغرس الأدب
والطهارة في سلوكه.. حتى يصير سلوكه شجرة نافعة لا تنبت إلا الثمر الطيب.
وقد
وصف بعض ورثة النبي (ص) صفات العالم المهتدي
بهدي النبي (ص) والوارث له، فقال: (من صفته أن يكون لله
شاكراً، وله ذاكراً، دائم الذكر بحلاوة حب المذكور، يعد نفسه مع شدة اجتهاده
خاطئاً مذنباً، ومع الدؤوب على حسن العلم مقصراً، لجأ إلى الله فقوّى ظهره، ووثق
بالله فلم يخف غيره، مستغن بالله عن كل شيء، ومفتقر إلى الله في كل شيء، أنسه
بالله وحده، ووحشته ممن يشغله عن ربه، إن ازداد علماً خاف توكيد الحجة، مشفقٌ على
ما مضى من صالح عمله أن لا يقبل منه،همه في تلاوة كلام الله الفهم عن مولاه، وفي
سنن الرسول الفقه لئلا يُضيّع ما أمر به، متأدبٌ بالقرآن والسنّة، لا يُنافس أهل
الدنيا في عزها، ولا يجزع من ذلّها، يمشي على الأرض هوناً بالسكينة والوقار، قال
عز وجل:﴿ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى
عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ
رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ
لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109)﴾ (الإسراء)([513])
وبما
أن الدنيا بشهواتها هي الفخ الأكبر الذي يقع فيه الدجالون من العلماء، فإن منهج
التعليم الذي استفاده الورثة من رسول الله (ص) هو
التزهيد في الدنيا، وفي متاعها الحقير، حتى لا ينشغل طالب العلم بشهواته عن
الرسالة العظيمة التي يحملها.. يقول الغزالي: (إن أقل درجات العالم أن يدرك حقارة
الدنيا وخستها وكدورتها وانصرامها وعظم الآخرة ودوامها وصفاء نعيمها وجلالة ملكها
ويعلم أنهما متضادتان، وأنهما كالضرتين مهما أرضيت إحداهما أسخطت الأخرى، وأنهما
ككفتي الميزان مهما رجحت إحداهما خفت الأخرى، وأنهما كالمشرق والمغرب مهما قربت من
أحدهما بعدت عن الآخر، وأنهما كقدحين أحدهما مملوء والآخر فارغ فبقدر ما تصب منه
في الآخر حتى يمتلىء يفرغ الآخر. فإن من لا يعرف حقارة الدنيا وكدورتها وامتزاج
لذاتها بألمها ثم انصرام ما يصفو منها فهو فاسد العقل. فإن المشاهدة والتجربة ترشد
إلى ذلك فكيف يكون من العلماء من لا عقل له؟ ومن لا يعلم عظم أمر الآخرة ودوامها
فهو كافر مسلوب الإيمان فكيف يكون من العلماء من لا إيمان له ومن لا يعلم مضادة
الدنيا للآخرة وأن الجمع بـينهما طمع في غير مطمع؟ فهو جاهل بشرائع الأنبـياء
كلهم، بل هو كافر بالقرآن كله من أوّله إلى آخره، فكيف يعدّ من زمرة العلماء؟ ومن
علم هذا كله ثم لم يؤثر الآخرة على الدنيا فهو أسير الشيطان قد أهلكته شهوته وغلبت
عليه شقوته فكيف يعد من حزب العلماء من هذه درجته؟)([514])