لقد
أدان أنشتاين نقل الأسرار إلى الروس، والحال أن الذين قدموها كانوا قد دافعوا عن
أنفسهم بأنهم قدموها بدون مقايضة، وإنما كانوا في ذلك مستجيبين لنداء الضمير
الإنساني النقي، وهم لم يفعلوا إلا ما سبق لأنشتاين أن فعله، فأما الرأي العام فقد
انتفض بحملة شعواء على أنشتاين نفسه وعلى زميله أوبنهيمر، وأما الإدارة الأمريكية
فقد حملت على أنشتاين لأنه لم ينخرط بحماس في هستيريا التمجيد للقوة الأمريكية،
وطلبت منه الكف عن إثارة الشغب بين صفوف الرأي العام.
ندم
أنشتاين على فتح طريق التصنيع النووي أمام الأمريكان، ولكنه لم يندم على اكتشافاته
البحثيّة، تماما كما أن نوبل ما كان بإمكانه أن يندم على اكتشاف النيتروغليسيرين
وعلى اختراع الديناميت وإنما كان أسفه على أن غريزة التسلط تدفع بأصحاب القرار إلى
تحويل وجهة العلم من فضيلة إسعاد الإنسان إلى آلة جهنمية تصنع بؤسه وشقاءه.
قلت:
لم أفهم ما الذي تشير إليه هذه الآية حتى أرى وجه التطابق بينهما.
قال:
إن هذه الآية تشير إلى أن العلوم التي كان يبثها ذانك الملكان (هاروت وماروت) من
العلوم التي تصف حقائق كونية.. كتلك الحقائق التي توصل إليها نوبل وأينشتين.. وقد
كانت تلك العلوم تحمل ثمارا طيبة خيرة يمكن أن تستفيد منها البشرية، وتحمل في نفس
الوقت ثمارا خبيثة يمكن أن تتحول إلى شر محض.. ولهذا، فإن هذين الملكين كانا
ينبهان كل من يدرس على يديهما تلك العلوم إلى المحاذير التي تنطوي عليها المعارف
التي يدرسونها.
قلت:
فالبشرية تحتاج إذن إلى هذا النوع من التوجيهات؟
قال:
أجل.. فالعلم وحده إن لم يصحبه التوجيه الأخلاقي سيكون وبالا على أصحابه.. بل يصير
الأمر كما قالت العرب: (يبحث عن حتفه بظلفه)..
***
في
ذلك المساء.. وفي طريقنا إلى بيت الباقر شاهدنا مظاهرة من جماعة قليلة من الناس،
يظهر عليهم من الوقار ما يدل على مكانتهم الاجتماعية الراقية.. وقد كان كل واحد
منهم يحمل لافتة تدعو إلى الحفاظ على الإنسان والحيوان والكون..