فنظرية
أنشتاين ـ فيما يعرف علميّا بالنسبية ـ هي التي قادت الباحثين إلى التسليم بمبدإ
تكسير الذرة، ومن أجل نظريته أحرز سنة 1921 على جائزة نوبل.
لقد
كانت الأجواء حينها تنذر باندلاع الحرب الكونية، والعدد الهائل من علماء أوروبا
ولا سيما الألمان كانوا يتدافعون نحو الولايات المتحدة هاربين بعلمهم أكثر مما
كانوا هاربين بأجسادهم، فتلقفتهم الجامعات هناك، فنقلوا إليها الخبر المخيف بأن
بعض العلماء في ألمانيا توصلوا الى تكسير ذرة اليورانيوم، وأن ألمانيا قد وضعت يدها
على كل ما تنتجه تشيكوسلوفاكيا من تلك المادة.
وهنا
بادر أنشتاين بالكتابة إلى الرئيس الأمريكي روزفلت يستحثه أن يهتم بمشروع تفجير
الذرة في إطار صنع القنبلة النووية قبل أن تمتلكها ألمانيا النازية تحت إمرة هتلر،
وكان مسوّغه في ذلك هو اعتقاده أن سبق هتلر إلى القنبلة سيؤدي إلى كارثة إنسانية
كبرى سواء أفجّرها أم اتخذها سيفا مسلولا على أعناق البشرية.
وهكذا
دخل العلم في أحرج موقع عرفه في التاريخ، وهكذا انحشرت المعرفة في المضيق الخانق
بين السياسة والأخلاق، فما فعله أنشتاين قد كان باسم فلسفة الردع، وكان ضربا من البحث
عن التوازن الاستراتيجي، بل كان تشريعا لمبدإ التسلح الوقائي تماما كما سبق لنوبل
أن أسّس وشرّع.
لقد
هزم الحلفاء ألمانيا النازية، وخيل لأنشتاين أن زوال العلة يوجب زوال النتيجة طبقا
لقوانين العقل الخالص، ولكن للسياسة منطقها الآخر، فاليابان كانت جاهزة للاستسلام،
والاتحاد السوفياتي ـ حليف الولايات المتحدة ـ كان يتولى مفاوضة اليابانيين على
حيثيات الاستسلام، ولكن ترومان أمر بإلقاء القنبلة، وإذا بالعلم يجد نفسه في قفص
الاتهام الأخلاقي، وتحل بأنشتاين أزمة نفسية حادة من هول ما رأى ومن هول ما يستشرف
به المآل.
وهذا
صديقه (روبرت أوبنهيمر) الذي يتولى إدارة مشروع تفجير الذرة يصاب بالهلع، لأن
السياسة قد قررت إخراج مجمع الأبحاث من يد السلطة الأكاديمية لجعله تحت إشراف
المؤسسة العسكرية.
بعد
هذا جرى بعض العلماء يَشون بأسرار القنبلة إلى الروس، لأن كواليس السياسة قد همست
بأن قنبلة هيروشيما وناجازاكي قد كانتا لإرهاب الحليف السوفياتي وردعه أكثر مما
كانتا لهزم اليابان.. وخاف هؤلاء أن يفقد الكون توازنه، وأن يختل قانون التعادل
الاستراتيجي فسرّبوا الأسرار، وانتصبت محاكم التفتيش هنا وهناك، وكان من أشهر
الذين حوكموا بتهمة التسريب وأقروا بها في شموخ فلسفي رهيب العالم (جوليوس
روزنبرج) في أمريكا و(كلاوس فوخس) في بريطانيا.