بعد فترة من الصمت، قال
الصبي: إن شئت حدثتك بما ذكر الرواة من زهد رسول الله (ص) ما يبين لك أن عليا وغير علي لم يسلكوا ذلك السلوك الرفيع
لمجرد تعاليم تعلموها، أو دروس حضروها، وإنما لأنهم رأوا بعيونهم أنوار القيم
تتجلى أمامهم في أرفع صورها.
قلت:
يسرني ذلك.. فيعلم الله أنه لا هدف لي في الحياة إلا البحث عن الإنسان الكامل.
لقد
حدث بعض الصحابة.. والذي صار بعد ذلك أميرا.. عن تلك التوجيهات العملية التي كانوا
يتلقونها على يدي رسول الله (ص)، فقال يخاطب رعيته بعد
أن حمد الله وأثنى عليه: (أما بعد، فإن الدنيا قد آذنت بصرم([440])،
وولت حذاء([441])،
ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الإناء يتصابها([442])
صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه
قد ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي فيها سبعين عاما، لا يدرك لها قعرا،
والله لتملأن أفعجبتم؟! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة
أربعين عاما، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني سابع سبعة مع
رسول الله (ص)، ما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى قرحت([443])
أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت بنصفها، واتزر سعد
بنصفها، فما أصبح اليوم منا أحد إلا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ
بالله أن أكون في نفسي عظيما، وعند الله صغيرا)([444])
قلت:
سمعت بعضهم يتحدث عن الزهد الاضطراري.. أليس زهد محمد من هذا النوع؟
انتفض
الصبي، وقال: كيف يقال هذا في رسول الله.. لقد كان لرسول الله (ص) من
المكانة عند الله والمنزلة ما لا يدعه في ضرورة أبدا..
لقد
حدث أبو ذر قال: كنت أمشي مع النبي (ص) في
حرة بالمدينة، فاستقبلنا أحد، فقال: (يا أبا ذر) قلت: لبيك يا رسول الله، فقال: (ما
يسرني أن عندي مثل أحد هذا ذهبا تمضي علي ثلاثة أيام وعندي منه دينار، إلا شيء
أرصده لدين، إلا أن أقول به في عباد